فادي السمردلي يكتب: التعليم في الأردن.. استثمار أم عبىء مالي متزايد؟

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

لم يعد الحديث عن التعليم في الأردن يدور فقط حول “مستوى المدارس” أو “جودة الجامعات”، بل أصبح سؤالًا أكثر قسوة وواقعية هل التعليم اليوم فرصة حقيقية لبناء المستقبل، أم عبىء مالي يرهق الأسر عامًا بعد عام؟

في كل بيت تقريبًا، هناك قصة تتكرر بصيغ مختلفة، لكنها تحمل المعنى نفسه أب وأم يحاولان تأمين تعليم جيد لأبنائهم، مقابل مصاريف لا تتوقف عند الرسوم الدراسية فقط، بل تمتد إلى تفاصيل صغيرة وكبيرة تجعل من التعليم رحلة مكلفة طول العام.

المدرسة لم تعد مجرد مقعد وكتاب فهناك رسوم تسجيل، وكتب، وقرطاسية، ولباس مدرسي، ومواصلات، وأنشطة، وأحيانًا دروس إضافية أصبحت شبه ضرورية وليست اختيارية ومع كل بداية فصل دراسي، يشعر كثير من الأهالي أن “الموسم المالي الأصعب” قد بدأ من جديد.

أما على مستوى الجامعات، فالأمر لا يقل ضغطًا فالرسوم الجامعية في كثير من الحالات تشكل عبئًا طويل الأمد يمتد لسنوات، وقد يدفع بعض الأسر إلى الاقتراض أو الدخول في التزامات مالية جديدة فقط لضمان استمرار تعليم الأبناء. وهنا يتحول التعليم من مرحلة مؤقتة إلى التزام مالي مستمر يشبه القسط الشهري الذي لا ينتهي بسرعة.

المعضلة الحقيقية ليست في مبدأ الدفع مقابل التعليم، بل في الفجوة الواضحة بين الدخل وتكلفة التعليم فكثير من الأسر لا تملك رفاهية الاختيار بين “تعليم أفضل” و“تعليم أقل تكلفة”، بل تجد نفسها مجبرة على بذل أقصى ما لديها، حتى لو كان ذلك على حساب احتياجات أساسية أخرى.

ومع الوقت، أصبح الدرس الخصوصي جزءًا شبه ثابت من حياة الطلبة, ليس لأنه دائمًا الأفضل، بل لأن بعض المناهج أو الظروف التعليمية تدفع الطلاب إليه كحل مكمل وهذا الواقع أضاف عبئًا ماليًا جديدًا على الأسرة، وجعل كلفة الطالب الواحد تتضاعف خارج إطار الرسوم الرسمية.

الأثر لا يتوقف عند الجانب المالي فقط فهناك ضغط نفسي كبير يرافق أولياء الأمور، خاصة مع وجود أكثر من طالب في المنزل حسابات دقيقة تبدأ كل شهر كم سنخصص للمدرسة؟ كم سيبقى للجامعة؟ وهل يكفي الدخل لتغطية كل ذلك دون اللجوء إلى الدين أو الاستدانة؟

ورغم كل هذا، ما زال التعليم يُنظر إليه كـ”الاستثمار الأهم”. فالأهالي لا يدفعون فقط من أجل الحاضر، بل من أجل مستقبل أبنائهم ولكن المشكلة أن هذا الاستثمار أصبح ثقيلًا إلى درجة أن بعض الأسر بدأت تعيد التفكير في خياراتها، ليس من باب التراجع عن التعليم، بل من باب البحث عن التوازن بين القدرة والالتزام.

في المقابل، لا يمكن إنكار أن هناك تفاوتًا واضحًا في تكاليف التعليم بين المدارس والجامعات الحكومية والخاصة، وهذا التفاوت خلق طبقات مختلفة من القدرة التعليمية، وأصبح العامل المالي أحيانًا يحدد نوع وجودة التعليم أكثر من أي معيار آخر.

وهكذا، يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل أسرة هل التعليم اليوم ما زال فرصة متاحة للجميع، أم أنه أصبح امتيازًا يحتاج إلى قدرة مالية قبل أي شيء آخر؟

بين الطموح والواقع، بين الحلم والفاتورة، يبقى التعليم في الأردن واحدًا من أهم الملفات التي تمس كل بيت، وتعيد طرح السؤال نفسه كل عام: كم يكلفنا المستقبل؟

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا