كرسي النجار وكرسي النفوس من صناعة الخشب إلى صناعة السلطة والاعتراف

بقلم: د. منى النحلاوي  ….

 

يعتمد صناعة الكرسي على هندسة دقيقة وتقنيات مدروسة؛ فمنه الخفيف والثقيل، ومنه البسيط والمزخرف والملوكي. وتتآلف قطع الخشب والمسامير لتكوين هيكل قادرعلى حمل الجسد وتوفير الراحة لمستخدمه. ويقف النجار سيد الموقف في هذه العملية، يشكل المادة الخام ويمنحها وظيفة واضحة وغاية محددة.

ولكن ماذا لو انتقلنا من صناعة الكرسي إلى صناعة الإنسان؟

هنا تبرز فكرة الفيلسوف جان جاك روسو الذي رأى أن الإنسان يولد خيرًا بطبيعته، وأن المجتمع ومؤسساته قد تسهم أحيانًا في إعادة تشكيل وعيه بعيدًا عن فطرته الأولى. ومن هذا المنطلق يبرز سؤال فلسفي قديم ومتجدد: هل الإنسان غاية في ذاته أم مادة قابلة للتشكيل وفق ما تقتضيه المصالح والظروف؟

فكما يُطوَّع الخشب ليأخذ شكل الكرسي، قد يُعاد تشكيل الوعي الإنساني عبر الخوف أو الدعاية أو الأزمات أو الضغوط الاجتماعية. وهنا يتحول الكرسي من مجرد أداة مادية إلى رمز نفسي وسياسي واجتماعي يعكس طبيعة العلاقة بين السلطة والإنسان.

فالسلطة لا تُصنع فقط داخل المؤسسات، بل تُبنى أيضًا داخل النفوس. ومع مرور الزمن قد يُحاط صاحب المنصب بهالة من التعظيم تجعله يبتعد تدريجيًا عن الواقع، فيختلط لديه أحيانًا الفرق بين شخصه وبين الموقع الذي يشغله. وفي المقابل قد ينظر بعض الناس إلى الكرسي بوصفه مصدرًا للقوة والاستقرار والامتيازات، لا مجرد وظيفة مؤقتة لخدمة المجتمع.

غير أن الحقيقة الأكثر إثارة للتأمل هي أن القوة ليست كامنة في الشخص ذاته، بل في الموقع الذي يشغله. وما إن يغادر الكرسي حتى تبدأ الهالة بالتلاشي، وتنكشف حقائق كثيرة من العلاقات التي كانت تدور في فلك المنصب أكثر مما تدور حول الإنسان.

ومن هنا يرى بعض المفكرين أن قوة الدولة الحديثة لا تقوم على الأشخاص، بل على المؤسسات. فالمناصب العامة ليست ملكية خاصة، وإنما مسؤوليات مؤقتة تنظمها القوانين وتستمر بعدها المؤسسات.

لكن تفسير التعلق بالسلطة لا يكتمل من دون التوقف عند مفهوم “الثيموس”، وهو المفهوم الذي تحدث عنه الفلاسفة منذ أفلاطون، وأعاده فرانسيس فوكوياما إلى النقاش المعاصر بوصفه حاجة الإنسان العميقة إلى الاعتراف بكرامته وقيمته ومكانته بين الآخرين.

فالمشكلة لا تبدأ عندما يتولى الإنسان منصبًا أو سلطة، بل عندما يخلط بين الاعتراف المستحق لشخصه وبين الاعتراف الممنوح لمنصبه. عندها يصبح الكرسي جزءًا من هويته النفسية، ويغدو فقدانه تهديدًا لشعوره بالذات، لا مجرد نهاية لمرحلة وظيفية عابرة.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الكرسي، بل في طريقة النظر إليه. فالمنصب وسيلة لخدمة المجتمع، لا مصدرًا للقيمة الإنسانية. وعندما تتحول السلطة إلى جزء من تعريف الإنسان لنفسه، يصبح التخلي عنها أكثر صعوبة من الوصول إليها.

فالمأساة لا تبدأ عندما يعتلي الإنسان الكرسي، بل عندما يعتقد أن قيمته جاءت منه، وينسى أن الكرامة تسبق المنصب، وأن الاعتراف الحقيقي يبقى للإنسان لا للمقعد الذي يجلس عليه.

ويبقى السؤال …عزيزي القاريء مفتوحًا:

هل الكرسي هو الذي منح الإنسان قوته، أم أن الإنسان هو الذي منح الكرسي تلك القوة التي ظنها يومًا جزءًا من ذاته؟

باحثة في القضايا الاجتماعية

الكاتبة أردنية

تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

قد يعجبك ايضا