تلاشي المعنى والقيمة للمؤتمرات العلمية
الدكتور ماجد عبد العزيز عيسى …..
قرأت للدكتور الليبي مصطفى أحمد بن حكومة مقالة بعنوان ” عزوف الباحثين عن المشاركة في المؤتمرات العلمية” ويذكر عديداً من الأسباب والعوامل التي ساهمت في العزوف البحثي، وهي أسباب وجيهة وحاسمة في ظل المجريات والمستجدات التي طغت على رصانة وحكامة البحث العلمي، مع تغوّل المتاجرين والمأجورين والمرتزقة الباحثين عن التربّح وتحصيل العائد المادي السهل، إضافة لتزايد حجم وعديد ما تدعى بالمجلات العلمية المفترسة، ناهيك عن توالد هائل لجامعات وأكاديميات وهمية افتراضية لا وجود لها على أرض الواقع، فهي تزعم أنها تقدّم التدريس والبحث من خلال الإنترنت والتعلّم عن بعد.
سأستأذن صديقي الليبي بإعادة تموضع للسؤال على النحو الآتي: ” لماذا يتهافت الباحثون في المشاركة في المؤتمرات العلمية؟” فالمشهد يبدو خلاف ما تناوله الدكتور مصطفى، من حيث الكّم وحجم المؤتمرات وتنوّعها وتغطيتها لمختلف مجالات المعرفة الإنسانية، مع عضويات في كل مؤتمر لعشرات الذوات ممن يُفترض أنهم مختصون وعلماء في مجالاتهم، لجان عليا، وتحضيرية وعلمية وإعلامية وتوجيهية وتنسيقية. حتى أنه ينتاب المرء نوع من الريبة والحيرة في محاولة فهم حشر هذه الذوات وتلك العضويات واللجان الصورية لمؤتمرات افتراضية افتراسية غايتها الرئيسة تتمثل في حجم العائد الربحي للقائمين على النشاط أو الفعالية.
لقد أسهمت التكنولوجيا الرقمية في تكاثر طفيليات وحربائيات اكتظت بها المواقع الإلكترونية تحت مسميات مجموعات علمية يتم فيها ضم المئات وربما الآلاف من الباحثين والأساتذة على هيئة ما. خاصة عبر تقنية الواتس أب والتليغرام التي تفتح المجال لتأسيس مثل هذه المجموعات الألفية الدائمة، لتصبح مخزناً يمكن استغلاله كل حين. مهما كانت تخصات الأعضاء واهتماماتهم وأولوياتهمن فالجعبة غنية ومكتظة بكل ما يطلبة الجمهور، حتى أنه تم ابتداع ما تدعى بالمؤتمرات الشاملة للعلوم الإنسانية والإجتماعية والتطبيقية وغيرها، بحيث يمكن هضم وابتلاع أي زبون مستهدف أو مرشّح طالما التزم بدفع الرسوم للمشاركة.
نعم هناك تهافت واضح في المشاركات البحثية غير العلمية، وهذا يعود إلى التقاء الرغبات بين الأطراف المختلفة، حيث كثير من المشاركين تكون مصلحتهم الأساس الحصول على إفادة المشاركة كباحث، أو إفادة بالنشر في مجلة، أو إفادة بالحضور فقط. فتتلقفه الجهات المفترسة كغنيمة جاهزة.
مجموعات عبر التليغرام تنهال يومياً بحفلات تدعى زوراً بالعلمية، لا تحمل من القيمة أكثر من الإسم لها. لتتواصل حملات الإستعباط والإستغفال الممنهجة والمنافية لأية أخلاقيات علمية وبحثية.
أذكر أنني كنت أنتظر بشغف الإعلان عن مؤتمر لإحدى الجامعات من اجل محاولة المشاركة البحثية فيه. كانت المؤتمرات تقام سنوياً لمرةٍ واحدة ضمن اختصاصاتٍ محددة واشتراطات حاسمة ولازمة. كان يعتبر إنجازاً المشاركة البحثية الواحدة في السنة. كان الباحث يكافأ على المشاركة البحثية بأن يتم تغطية تكاليف المشاركة والنقل والإقامة على حساب الجهة المنظّمة للفعالية. وكانت الأعداد مسيطر عليها بحيث يمكن إتاحة الوقت للنقاش والحوار العلمي وتبادل الآراء في البحوث. كانت المؤتمرات حقاً علمية بالكامل، حتى أن كثيراً منها ما تأخذ شكل الحلقات العلمية المتخصصة في مجال بحثي ما. ويشعر المشارك أنه في جلسة مناقشة رسالة أكاديمية علمية يكون الحاضرين فيها من المختصين الذين يشبعون المواضيع بحثاً جدّياً رصيناً ومحكماً.
كانت أعداد المشاركين محددة ويمكن التعرّف والتعارف فيما بينهم. وكان الوقت كافياً لعرض البحوث، وكانت الجديّة والصرامة العلمية واشتراطات التقديم البحثي الحضوري والمناقشة لما يتم عرضه، تعتبر الأساس في المؤتمرات العلمية.
الآن المشهد يحتمل مشاركة مئات ممن يدعون بالباحثين في فعالية واحدة، يتم توزيعهم على غرف افتراضية ويمكن أن يستعيضوا عن المشاركة المباشرة بإعداد عرض تقديمي مرئي، فلا حاجة للباحث ولا لمناقشة بحثه. لا بل هناك كثيبر من المفترسات تكتفي بطلب ملخص بحثي يقوم المشارك بإرساله للجهة المفترسة مع دفع رسوم الإفتراس، ولا حاجة لإستكمال البحث إلا إذا أراد نشره والمدفوع أجره.
لقد وصل الحال إلى أضيق حال، فلا المؤتمرات بمؤتمرات، لا العلمية علمية، لا المشاركات مشاركات فعلية، لا البحوث بحوث حقيقية. هذه وغيرها من آفات التحوُّل الرقمي التي قد تتطلب وقتاً طويلاً إلى أن تستقر وتأخذ شكلاً معيناً ليس بالإمكان تحديد أوصافه وملامحه الآن.
الكاتب من الأردن