عندما جاع “حق” في بلاد الواق واق..
محمود الدباس …..
يحكى أن شاباً اسمه حق.. كان يمشي في شوارع بلاد الواق واق مترنحاً من شدة الجوع.. حتى كاد يسقط أرضاً.. فاقترب منه رجل قوي اسمه باطل.. سَقاه قليلاً من الماء.. وسأله عن حاله..
قال حق.. منذ أيام لم أذق لقمة تسد جوعي..
ابتسم باطل وقال.. أبشر.. تعال معي إلى أفخر مطعم في المدينة.. ولا تقلق.. وأهم شيء.. لا تتحدث بكلمة واحدة.. واترك كل شيء علي..
دخل الاثنان المطعم.. وجلسا على أجمل طاولة.. وطلب باطل ما لذ وطاب.. بينما كان حق ينظر إلى الطعام.. وكأنه يرى حلماً طال انتظاره.. فأكل حتى شبع.. لأول مرة منذ أيام طويلة..
وعندما انتهت المأدبة.. ذهبا للمحاسب.. أخذ باطل الفاتورة.. وكانت 46 ليرة.. ثم أعادها إليه.. دون أن يدفع شيئاً.. وابتعد هو وحق شيئاً قليلاً عن المحاسب.. لكي يفسحوا المجال لغيرهم من الزبائن..
وبعد دقائق.. نادى المحاسب.. يا سيدي.. يبدو أنك نسيت دفع الحساب؟!..
فانقلب باطل في لحظة.. وانفجر صوته حتى ارتج المكان.. كيف لم أدفع؟!.. لقد أعطيتك 50 ليرة.. وبقيت انتظر.. وأنت مَن لم يدفع باقي نقودي..
تجمع الناس.. وحضر صاحب المطعم.. وسمع القصة.. ولم يبحث عن الحقيقة.. ولم يسأل عن دليل.. بل قال الجملة المعروفة.. الزبون دائماً على حق..
فأُجبر المحاسب على دفع 4 ليرات إلى باطل.. وقال وهو يمد يده بالنقود.. الله أكبر.. شو الدنيا ما فيها حق؟!..
وفي تلك اللحظة.. قال حق في نفسه.. حق موجود.. لكنه إن فتح فمه.. فستطالبونه بدفع نصف الحساب..
وهكذا أصبحت الحياة في بلاد الواق واق..
صار باطل يأكل.. ويكذب.. ويصرخ.. ثم يخرج بطلاً.. يحمل المال في جيبه.. منتصراً.. وهو يبتسم.. بينما يقف حق صامتاً.. لا لأنه لا يعرف الحقيقة.. بل لأنه يخشى أن يكون ثمن الصدق.. أغلى من ثمن الجوع..
وهنا تكمن الكارثة..
الفساد لا ينتصر لأنه قوي.. بل لأنه ينجح في تجويع أصحاب المبادئ.. حتى يصبح الصمت عند بعضهم وسيلة للبقاء.. ويصبح مجاراة الفاسد رغيفاً يسد الجوع.. لا قناعة بما يفعل..
وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة.. لا يعود الخطر في كثرة أهل الباطل.. بل في أن يُدفَع بعض أهل الحق إلى الوقوف في صفهم.. أو السكوت عنهم.. أو تبرير أفعالهم.. خوفاً.. أو حاجة..
لعن الله كل فاسد.. وكل باطل.. وكل من صنع واقعاً يُجبر الشريف.. على أن يساير الفاسد ليعيش..
وقطع الله كل يدٍ جوّعت أهل الحق الشرفاء.. حتى صار بعضهم يبيع صمته بلقمة خبز..
أما أنتم يا أهل الحق.. فاصبروا.. قد يجوع حق يوماً.. وقد يتعب.. وقد يطول انتظاره.. لكنه لا يتحول إلى باطل.. لأن الجوع يوجع الجسد.. أما بيع الضمير.. فيقتل الإنسان كله..
حسبنا الله ونعم الوكيل.. وعند الله تجتمع الخصوم..
محمود الدباس – أبو الليث..
الكاتب من الأردن