فادي السمردلي يكتب: الأزمة ليست في الضرائب… بل في غياب العدالة

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

في كل مرة ترتفع فيها الأسعار، أو تُفرض ضرائب ورسوم جديدة، يخرج السؤال ذاته من قلب الشارع الأردني لماذا يشعر المواطن دائمًا أنه الحلقة الأضعف؟ ولماذا يتحمل العبىء نفسه كل مرة، بينما يبدو أن هناك من يعيش خارج دائرة الضغط والمحاسبة؟

المشكلة في الأردن لم تعد مجرد قضية ضرائب أو غلاء معيشة، بل تحولت تدريجيًا إلى أزمة ثقة عميقة بين المواطن والمؤسسات فالأردني بطبيعته ليس شعبًا يرفض الدولة، ولا يهرب من مسؤولياته، بل على العكس تمامًا هو من أكثر الشعوب التي أظهرت قدرة طويلة على الصبر والتحمل والتكيف مع الظروف الصعبة ولكن ما يثير غضبه حقًا هو شعوره المتزايد بأن العدالة لم تعد حاضرة بالقدر الكافي.

المواطن يستطيع أن يتقبل الضيق الاقتصادي إذا شعر أن الجميع يقفون في الصف نفسه، وأن القانون يُطبق على الجميع، وأن التضحيات موزعة بعدالة ولكنه يفقد صبره حين يرى أن بعض الفئات قادرة دائمًا على النجاة، بينما يدفع الموظف وصاحب الدخل المحدود وصاحب المشروع الصغير الثمن كاملًا وحدهم.

في الشارع الأردني اليوم، لم تعد الناس تتحدث فقط عن الغلاء، بل عن الإحساس بعدم المساواة فالموظف الذي يُقتطع من راتبه كل شهر يعرف أنه لا يستطيع التهرب، وصاحب المحل الصغير يعرف أن أي مخالفة قد تُغرقه، والمواطن البسيط يدفع الضرائب في فاتورة الكهرباء والماء والبنزين والطعام دون أن يملك خيارًا آخر ولكنه في المقابل يرى قصص الواسطة، والتعيينات الخاصة، والامتيازات، والصفقات التي تمر أحيانًا بلا محاسبة واضحة، فيشعر أن هناك عالمين داخل البلد نفسه.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس الغضب الاقتصادي وحده، بل انهيار الشعور بالعدالة فحين يقتنع المواطن أن القانون صار مرنًا مع القوي وقاسيًا مع الضعيف، تبدأ الثقة بالتآكل ببطىء، وتتحول العلاقة بين الناس والمؤسسات إلى علاقة شك واحتقان صامت.

الأردني لا يطلب معجزات اقتصادية فالمواطن يعرف أن البلد يواجه ضغوطًا صعبة، وأن المنطقة كلها تعيش اضطرابات سياسية واقتصادية خانقة لكنه يريد أن يشعر أن الدولة تقف على المسافة نفسها من الجميع، وأن الفرص لا تُمنح وفق العلاقات والنفوذ، وأن الكفاءة أهم من الواسطة، وأن التضحية مطلوبة من الجميع لا من فئة واحدة فقط.

ما يضاعف الإحباط اليوم هو شعور كثير من الشباب بأن الطريق لم يعد عادلًا أصلًا فالشاب الذي يدرس ويتعب ويبحث عن فرصة عمل، يرى أحيانًا أن أبوابًا كثيرة تُفتح بالمعرفة الشخصية لا بالكفاءة وهذا الإحساس تحديدًا هو ما يصنع الغضب الصامت داخل المجتمع، لأن الإنسان يستطيع تحمل الفقر أحيانًا، لكنه لا يستطيع تحمل الشعور بالظلم طويلًا.

الحديث عن الإصلاح الاقتصادي أيضًا أصبح يواجه أزمة مصداقية عند جزء واسع من الناس ليس لأن المواطن يرفض الإصلاح، بل لأنه يريد أن يرى نتائج حقيقية على الأرض، ويريد أن يشعر أن الإصلاح يبدأ من وقف الهدر والامتيازات غير المبررة، قبل أن يصل دائمًا إلى جيبه وقدرته الشرائية.

في السنوات الأخيرة، تآكلت الطبقة الوسطى بشكل واضح، وأصبح كثير من الأردنيين يعيشون تحت ضغط نفسي واقتصادي هائل ومع كل أزمة جديدة، يعود السؤال نفسه بقوة لماذا يبدو المواطن دائمًا أول من يدفع وآخر من يستفيد؟

الدولة الأردنية ما تزال تمتلك عنصرًا مهمًا جدًا وهو وعي الناس بخطورة المرحلة الإقليمية المحيطة، لكن هذا الوعي وحده لا يكفي إلى الأبد فالاستقرار الحقيقي لا يقوم فقط على الأمن والسياسة، بل على شعور الناس بالعدالة والكرامة وتكافؤ الفرص.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن تجاهله اليوم ليس فقط الأزمة الاقتصادية، بل المزاج الشعبي الذي يتشكل بهدوء تحت ضغط الإحباط والديون والشعور بعدم المساواة لأن المجتمعات لا تنفجر عادة بسبب الفقر وحده، بل حين يقتنع الناس أن العدالة أصبحت غائبة.

الأردني لا يكره الضرائب فعلًا، ولا يرفض تحمل المسؤولية، لكنه يريد أن يشعر أن الجميع يدفعون الثمن نفسه، وأن القانون لا يميز بين قوي وضعيف، وأن الوطن ليس مشروعًا لفئة محظوظة فقط، بل مساحة عادلة لكل من يتعب ويعمل ويحلم بحياة كريمة.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا