نظام الأبارتايد ومصطلح الاستقرار بين الأدراج المعتمة

د. منى النحلاوي  ……

 

الاستقرار هو ذلك الشعور بالطمأنينة الذي يحتاجه الإنسان كي يعيش دون خوف دائم من الفقد أو الانهياروعندما يغيب هذا الشعور، لا يصبح الأمر مجرد اضطراب في الحياة اليومية لكن يتحول إلى قلق مزمن يبقي الإنسان في حالة استنفار دائم، فيرهق قواه النفسية والجسدية ويجعله يعيش مترقبًا لما قد يحدث بدلًا من أن يعيش ما يحدث بالفعل.

فالاستقرار ليس مجرد واقع مادي أو غياب للفوضى لكن هو احتواء إنساني ونفسي، وغايته أن يشعر الإنسان أن كرامته وحقوقه ليست مهددة في كل لحظة. ومن هنا تكتسب المادة 28 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أهميتها إذ تضع أساسًا لـ “الاستقرار الحقوقي” عبر ربط ممارسة الحقوق والحريات بوجود نظام اجتماعي ودولي قادر على حمايتها.

ولكن السؤال الأساسي هنا ليس: هل يوجد استقرار؟

بل: أيّ استقرار نعيش؟

ثمة استقرار زائف يُفرض بالقمع ويُسوَّق بوصفه “أمنًا” بينما يعيش الإنسان في داخله خائفًا ومقيدًا، وهناك استقرار حقيقي ينبع من العدالة يمنح القدرة على الاختلاف والتعبير دون تهديد، فالأول هدوء تفرضه الخشية من العواقب ويُنتج الصمت، والثاني سكينة راسخة لأن الكرامة فيه أصلٌ مصون، وليست امتيازًا يُسحب في أي لحظة.

وتتجلى هذه المفاصلة في تجربة جنوب أفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري «الأبارتايد»، الذي شرّع التمييز وجعل الخوف واقعًا يوميًا وفي مواجهة ذلك، لم تكن مسيرة نيلسون مانديلا بحثًا عن انتقام، بل تحولًا من بنية القمع إلى مجتمع ديمقراطي يتساوى فيه الجميع كما عبّر مانديلا في خطاب تنصيبه عام 1994:”وطن يستطيع فيه جميع أبنائه أن يسيروا مرفوعي الرؤوس، بلا خوف في قلوبهم، واثقين بحقهم في الكرامة الإنساني”.

من هنا يأتي دور الوعي الناقد؛ كي لا نكتفي بمسك المصطلحات كما تُقدَّم لنا، بل ننقب عن حقيقتها في حياة الناس. فليس كل هدوء استقرارًا، وليس كل صمت سلامًا، وليس كل أمن عدالة. ولعل أخطر ما في أنظمة التمييز ليس فقط تقسيم المظلومين، بل إجبارهم على التآلف مع الخوف حتى يبدو الصمت وكأنه استقرار.

فهل نعيش استقرارًا يحمي الإنسان… أم استقرارًا يحمي الصمت؟

وهل الاستقرار الذي نراه في الظاهر… موجودٌ حقًا في داخل الإنسان؟

من مشروع العدالة الإنسانية والوعي الناقد

د. منى النحلاوي

الكاتبة أردنية

تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

قد يعجبك ايضا