فادي السمردلي يكتب:من القبة إلى المواطن | انتهى الكلام.. ماذا بقي؟

بقلم فادي زواد السمردلي. …..

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

انتهت الانتخابات، وهدأت الحملات، وتراجعت الوعود من واجهة المشهد وبدأ النواب عملهم، وبدأت القوانين تُناقش، والأسئلة تُطرح، والمواقف تُسجل، والتصويت يحسم. وبين بداية الدورة النيابية وما جرى خلالها، تتراكم صورة تقودنا إلى السؤال الأكثر بساطة والأكثر صعوبة ماذا بقي؟

بقيت الوعود التي تحولت إلى عمل، والمواقف التي ثبت أصحابها عليها، والقضايا التي انتقلت من الخطاب إلى المتابعة، والتشريعات التي كان لها أثر حقيقي وبقي أيضاً ما لم يتحقق، وما توقف، وما لم يجد طريقه من القبة إلى الواقع. وهذه ليست إدانة مسبقة ولا شهادة نجاح مجانية إنها محاولة لقراءة الأداء بعيداً عن التصفيق والخصومة.

بدأنا من السؤال الأساسي: ماذا يستطيع النائب أن يفعل؟ النائب ليس وزيراً، ولا يملك أدوات التنفيذ الحكومية، لكنه يملك التشريع والرقابة والموقف. يستطيع أن يسأل، ويناقش، ويقترح، ويعدل، ويتابع، ويصوت ولذلك فإن حدود الصلاحيات لا تلغي المسؤولية، بل تحددها وتمنح المواطن معياراً أكثر عدلاً للحكم.

ثم انتقلنا إلى القوانين، وسألنا: من يكتبها، ومن يدفع ثمنها؟ فالقانون ليس نصاً بعيداً عن حياة الناس، بل قد يصل أثره إلى دخل المواطن وحقوقه وعمله وخدماته. لذلك لا تقاس قيمة التشريع بمجرد مروره من القبة، وإنما بمدى جودة النص وقدرته على معالجة المشكلة دون أن يخلق أعباء جديدة على المجتمع.

وتوقفنا عند الرقابة، لأن السؤال النيابي لا يجب أن يكون نهاية القصة فعندما تصل الإجابة يبدأ سؤال آخر ماذا حدث بعدها؟ هل تمت المتابعة؟ هل تغير شيء؟ وهل تحولت الرقابة من ورق ومحاضر إلى معالجة ونتائج؟ فالنائب الذي يسأل يمارس أداة من أدوات دوره، لكن قوة هذه الأداة تظهر عندما تقود إلى أثر حقيقي.

ثم وصلنا إلى الوعود، وهناك تصبح المسافة بين المرشح والنائب أكثر وضوحاً. ليس مطلوباً من النائب أن يحقق المستحيل، ولا أن يفعل ما ليس من صلاحياته، لكن من حق المواطن أن يعرف ماذا فعل ضمن ما يستطيع. الوعد الذي تحول إلى موقف وعمل شيء، والوعد الذي بقي كلاماً شيء آخر.

وتوقفنا أيضاً عند ما لا يراه المواطن تحت القبة اللجان، والمناقشات، والتعديلات، والعمل الذي يحدث قبل أن يصل القانون إلى لحظة التصويت.فالمشهد البرلماني ليس جلسة تُبث على الشاشة فقط، والعمل النيابي لا يبدأ عندما يفتح الميكروفون فهناك تفاصيل قد لا تراها الكاميرا، لكنها قد تغير مادة في قانون أو تمنع مشكلة قبل وقوعها.

ثم جاء السؤال عن التصويت: صوت النائب.. لمن يُحسب؟ لأن التصويت ليس مجرد حركة يد تنتهي خلال ثوانٍ، بل موقف ومسؤولية، خصوصاً عندما يتعلق بتشريع يمس حياة الناس. ومن حق المواطن أن يعرف كيف صوّت نائبه، وأن يفهم موقفه، وأن يملك المعلومات التي تمكنه من تقييمه بعيداً عن الشائعات والانطباعات.

وبعد ذلك وصلنا إلى المساءلة الفوز بالانتخابات ليس حصانة، والمقعد النيابي ليس ملكية خاصة، والتفويض ليس شيكاً على بياض. المواطن الذي منح صوته لم يتنازل عن حقه في السؤال، بل بدأ معه هذا الحق ومن يطلب ثقة الناس عليه أن يكون مستعداً لشرح أدائه ومواقفه، وأن يقبل بأن تكون أعماله تحت نظر من انتخبه.

والآن، بعد كل هذه الأسئلة، لا نحتاج إلى سؤال جديد بقدر حاجتنا إلى جمع الإجابات. هل كان هناك تشريع أفضل؟ هل كانت الرقابة فاعلة؟ هل كانت المواقف واضحة؟ هل تحولت الوعود إلى متابعة؟ هل استخدمت الصلاحيات كما ينبغي؟ وهل وجد المواطن أثراً يمكن أن يراه أو يقيسه؟

هنا يجب أن يتوقف التقييم عند الأرقام والشعارات فعدد الأسئلة وحده لا يكفي، وعدد المداخلات لا يكفي، وعدد البيانات لا يكفي، وحتى كثرة الظهور الإعلامي لا تكفي فالقيمة الحقيقية تكمن في الأثر ماذا تغير؟ ماذا عولج؟ ماذا حُمي؟ ماذا شُرّع؟ وماذا جرى تصحيحه؟

وفي المقابل، لا يجوز أن يكون الحكم على النواب قائماً على توقعات غير واقعية فالنائب لا يملك عصا سحرية، ولا يستطيع أن يحل كل مشكلة، ولا يتحكم وحده بالحكومة أو الاقتصاد أو الخدمات فالحكم العادل يعرف حدود المنصب أولاً، ثم يسأل بصرامة هل قام النائب بما يستطيع ضمن هذه الحدود؟

هذه هي النقطة التي يجب أن تتغير فيها علاقتنا بالعمل النيابي فلا نريد نائباً يَعِد بكل شيء، ولا مواطناً ينتظر منه كل شيء نريد نائباً يعرف صلاحياته ويمارسها، ومواطناً يعرف حقوقه ويستخدمها، ومجلساً يستطيع المجتمع أن يراقب أداءه من خلال معلومات واضحة لا من خلال الانطباعات.

فالديمقراطية لا تنتهي عند صندوق الاقتراع. الصندوق يمنح التفويض، لكن ما يأتي بعده يختبر قيمة هذا التفويض والنائب الذي يحول الثقة إلى عمل يترك أثراً، بينما النائب الذي يكتفي بالكلام يترك وراءه سؤالاً لا يمكن الهروب منه: أين ذهب التفويض؟

ومن هنا جاءت «من القبة إلى المواطن». لم تكن محاولة لإصدار أحكام جاهزة، ولا حملة على أحد، وإنما محاولة للنظر إلى العمل النيابي كما يجب أن يراه المواطن صلاحيات تُفهم، وقوانين تُقرأ، ورقابة تُتابع، ومواقف تُسجل، ووعود تُقارن، وأداء يُحاسب، ونتائج تُقاس.

في النهاية، لا يحتاج المواطن إلى مزيد من الوعود، ولا إلى مزيد من التبريرات يريد أن يرى ماذا حدث بصوته الذي وضعه في الصندوق. يريد أن يعرف من استخدم ثقته للعمل، ومن اكتفى بالكلام، ومن بقي حاضراً عندما احتاجته القضايا، ومن غاب عندما أصبح الموقف مسؤولية.

فالانتخابات لا تمنح أحداً حصانة من الحساب، والمقعد النيابي ليس مكافأة دائمة، والتصريحات لا تصنع إنجازاً فما يبقى في النهاية هو السجل ماذا قال النائب، ماذا فعل، كيف صوّت، ماذا تابع، وماذا تغيّر.

ومن لا يملك إجابة عن هذه الأسئلة، فلا تكفيه الخطب ولا الصور ولا البيانات.

انتهى الكلام.. وبقي الحساب.

وحين يأتي موعد الحساب، لن تُسأل الذاكرة عمّا قيل في الحملات، بل عمّا بقي على الأرض.

فالمواطن لا يمنح صوته إلى الأبد.. ومن طلبه، عليه أن يثبت أنه كان يستحقه.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا