مذكرات جريحة منشقة عن «حزب الله»… المخابرات تسأل الجن!

 

على طاولة الغداءالفلسطيني الرائع الذي أعدته أمي رحمها الله جلس أبي الذي عاد للتو من سفره في حديقة منزلنا الغنّاء وجلست قبالته. انضمت أمي إلينا وأخبرته بأنني حصلت على المركز الأول على العالم الإسلامي في حفظ وتجويد القرآن الكريم. علت الغبطة محياه، وبقيت أنا مطرقة نحو صحني أحاول ازدراد الطعام في صمت استعدادا للغارة التي ستشنها أمي علي بعد قليل وهي تنظر إلي كما لو أن إنجابي كان أكبر غلطة في حياتهما وسردتْ له بقية القصة!
ارتسمت ابتسامة الاستيعاب على وجه أبي فهو يحفظني عن ظهر قلب! ويستوعب في دبلوماسية بارعة احتجاجات أمي، فقد أعتدت أنا على إشعال حرائق الحرب الباردة بينه وبين أمي، واعتاد هوعلى أن يدفع في ذمة وضمير ثمن ليبراليته بالتطوع لإطفائها بلا لوم ! فهو المتهم الأول في عين أمي بالتشجيع على الشغب ومنحه غطاءً أمنيا، في حين كانت تميل إلى الحسم العسكري ومتهمة بالإرهاب أمام أبي!
ولا زلت أذكر إلى اليوم كيف كانت تنهال علي كل المقذوفات المتوسطة والثقيلة والخفيفة عندما كنت أعود من الامتحان المدرسي، فهي بمجرد أن تسمع صوت الباب، ولأنا أحاول التسلل إلى البيت تترك المطبخ على الفور وتأتي بسرعة وتكاد ترفع علي مسدسا وتقول: كم؟ فإن كان تسعة من عشرة فقد «وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة». إنها تعتني فقط بالدرجة الناقصة لا بالتسع التي تشعرها بالتعاسة! والتي كانت تعاملها كما لوكانت آيات عذاب بني إسرائيل! وتمارس بعدها العنف الثوري وهو بالمناسبة استراتيجية وليس تكتيكا عند الحاجة رحمها الله!
قالت أمي: لقد اتصلت المخابرات وغدا عليها أن تذهب للتحقيق. وسرعان ما قرأت لمعة الشعور بالخطر في عيني أبي واصفرار وجهه الذي أخفاه بشجاعة أمامي فهو سبق أن اعتقل في الستينيات وشاهد بأم عينيه صنوف التعذيب. وأوحى لي اصفرار وجهه ما أوحى…فأنا رغم كل شيء فتاة!

***

كان المشهد دراميا في السيارة. كنت أتلو في تلذذ وسكينة سورة آل عمران وأبي يقود متوجسا شرا من هذه الظاهرة التي تجعله يذهب المذاهب كلها في توقع نواياي الشريرة ضد السلطات، واعتبره السكون الذي يسبق العاصفة. أنا في نظره الفتاة العشرينية العنيدة التي لا يمكن للعالم بأسره أن يغيرها، وهي تعتبر تحدي السلطات جهادا. المفارقة الساخرة أن أبي، الرجل الناصري الذي نشأ في مدرسة انجليزية في القدس وكان يساري الثقافة، تحول فجاة إلى واعظ موهوب!
بين الفينة والفينة كان ينظر إلي كما لو كنت مخلوقا فضائيا، ويحاول استقراء نواياي واستجماع كل معلوماته البسيطة في الحديث الشريف ليخاطبني بلغة تتناسب مع ايديولوجيتي: (يابا أوعي تتحديهم! الرسول كان يقول (الحرب ) خدعة! والكذب ليس جبنا ولكنه يجوز في (الحرب !)، الواحد من هؤلاء يبدأ معك ناعما ثم ينقلب إلى نمر شرس). كنت ابتسم وأهز رأسي موافقة بصمت. منظر يعلم أبي تماما أنه يوحي بالكارثة!
وصلنا إلى القلعة الرابضة وحدها على تلة تشبه جبلا وتشرف على العاصمة، مبنى المخابرات العتيد يطوقه سور إسمنتي. أراد أبي الدخول من السور لكن مسلحا من الحرس قال له: ممنوع !
ودخلت وحدي وبقي أبي وسيارته خارج السور. وقفت في طابور مليء بالشباب الملتحين. كنت الفتاة الوحيدة! تم تدقيق هوياتنا، ومن ثم إركابنا في باص 24 راكبا تكسو نوافذه ستائر زرقاء فتحها ممنوع. انطلق الباص داخل الساحات حول المبنى حتى لا نعرف كيف يشق طريقه، ثم نزلنا. نقلنا إلى غرفة انتظار. سالني موظف الأمن الجالس قبالتنا على المكتب في تعاطف مكتوم كون أن الأمن الأردني حتى ذلك التاريخ وللإنصاف أفراده محافظون ويحترمون المرأة احتراما نابعا من طبيعة التقاليد المحافظة للشعب الأردني الطيب: أنت مين معك؟ قلت له أبي ولكنكم لم تسمحوا له بالدخول،..نظر إلي بابتسامة لم أتوقعها في مبنى كهذا. حسنا لا تقلقي سأحضر لك أباك. تم نقلنا إلى غرفة انتظار رقم 2 ليدخل أبي بعد قليل ويجلس إلى جانبي. انتظرنا في أربع غرف ماكثين نصف ساعة في كل غرفة قبل أن ندخل إلى غرفة التحقيق وهي طريقة معروفة لتوتير الأعصاب قبل الدخول. حاول أبي أن يقنع السكرتير. دار جدل. دخلت قبل أبي ثم أذن المحقق له بالدخول.
صرخ المحقق مهددا في وجهي: نحن نحب إسرائيل؟ أجبت: لا أحد يحب إسرائيل. أعاد السؤال غاضبا، مهددا، ملوحا بيده: أسألك نحن نحب إسرائيل؟
أعدت في عناد: لا أحد يحب اسرائيل! قاطعني أبي فورا: يا حضرة المحقق ابنتي مسكينة يصيبها جنون مؤقت منذ وقت وقد أخذتها إلى شيخ ليقرأ عليها. رد المحقق مهددا: ابنتك مريضة! حسنا سنعالجها لك! وقال لرجل صامت كان يجلس قبالتنا،مهمته مراقبة لغة الجسد والأعين: اتصل بالدكتور! ظننت أن حفلة التعذيب ستبدأ!
ثم سألني إنْ كنت أتذكر ما قلته وذكرني بأنه مسجل بالصوت والصورة. تصنعت النسيان، وتذكر بعض العبارات قائلة له: لماذا سأشترك يعني في مسابقة أرفض القيمين عليها؟ كلما أردت أن أفرح بنجاح ضيعت علي هذ المشكلة كل شيء! قال لي مهددا بذكاء ومحملا إياي جميلا ( عدم تعذيبي ! ): هل سمعت عنا أننا نقتل مثلا؟ نخلع اظافر مثلا؟ ثم سألني عن أنشطتي في الجامعة وكذبت بوقاحة فأنا ادعيت أنني كنت ناشطة فقط في تدريس تجويد القرآن، وأنا لم أدرس التجويد في حياتي في الجامعة بل فقط كنت ناشطة في الشأن الفلسطيني ومهتمة بكل ما يخدش إحساس النظام!
واصل كلامه: أنت تدرسين التجويد في المركز الإسلامي التابع للإخوان المسلمين؟ قلت له أنا لست أختا مسلمة! ولكنني محترفة في التجويد. قال لي هل معك إذن للتدريس من الأوقاف؟ قلت متصنعة الجهل بالقانون الذي أنقم عليه: حقا! تدريس القرآن الكريم في الأردن يحـتاج إلى أذن! قال نعـم، وتوجـه مهددا إلى أبي: إسـمع إنْ قامت بتدريس القرآن الكريم ثانية أنت تعلم وحـدك ماذا سيحدث هل تقبل أي أحد يدرس أبنائكـ الـقرآن! ( سبحان الله قبل أن انتقد النظام كنت الأولى على العـالم الإسلامي التي تشبه تلاوتها بتلاوة محمد صديق المنشاوي ثم فجـاة صـرت لا أحـد وأي أحد )! وأعاد العبارة مرتين على أبي ليؤكد على تهديده وسأله عن وضعنا المادي، وهي إشارة إلى أنهم يعتقدون أن أحدا ما دفع لي لأقول هذا الكلام. فقال له أبي: لقد كانت محتجة قبل بعض الوقت لأنني أردت تركيب المغاسل في البيت مطلية بالذهب وأنا خبير بترول في الخليج ومغترب وراتبي يقترب من عشرة آلاف دولار شهريا. ثم سألني عن أساتذتي فعددت له أسماء بعضهم وأكمل هو البعض الآخر حتى يوهمني بأنهم يعلمون عني كل شيء!
عاد الرجل الصامت وقال له: مشي الحال! أعطى المحقق أبي عنوان الدكتور الذي طلبوا إليه أن يتفحص وضعي.
كنت واثقة من أن رجل أمن لا يصدق بالجن والمس، وأنه حتما أعطانا رقم طبيب نفسي وأعصاب ليكشف على المجنونة (القندهارية) وتمنيت في سري له ولسيادة وزير الإتلاف ( الأوقاف ) أن يرسلهما الله في مهمة إلى تورا بورا ولا يعودان منها! ولكن العجيب عندما ذهبنا إلى العنوان وجدناه دكتورا متخصصا في الشريعة الإسلامية! ويقوم أيضا بنشاط التعاويذ الشرعية. العناية الإلهية كانت عجيبة وأقسم لكم يا إخوتي إن هذا الرجل زار بيتنا منذ أن سكناه قبل خمس سنوات من الحادثة. فنحن وجيراننا بدأنا نرى الكوابيس في بيوتنا منذ أن سكنا، فقررت أمي وجارتنا أن تستدعيا شيخا ليقرأ القرآن هو هذا الرجل الذي قرأ على الجميع بمن فيهم أنا ! كون أن الجيران كانوا يتهامسون بوجود آثار لمقابر رومانية. بمجرد أن رآني وأبي صدم هو الآخر. إنه يعرفنا وقال لأبي: والله أنا لا اتعامل معهم وسأتصل بهم وأخبرهم لأنني فعلا قرأت يوما على هذه الفتاة!
تأملت قدر الله العجيب في أن تختار المخابرات هذا الرجل بالذات من بين 4 ملايين مواطن وليس دكتورا نفسـانيا لتسأله، وأن تتفق روايته مع ادعاءات والد زميـلتي وأبـي الـذي لم يـعلم بمـا قـاله والـد زميلـتي لـي.
وتذكرت أيضا غضب إحدى الزميلات التي هاتفتني غاضبة بعد الحادثة: غادة الكل قال عنك مجنونة. وتذكرت مقولة كانت تؤثر فيّ: إذا كان الله معك فمن عليك؟ وقلت: لو يعلمون الفرق بين عميلة لقندهار وعميلة للعلي الجبار!

كاتبة فلسطينية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط

قد يعجبك ايضا