الطابع الما بعد استعماري في رواية “صديقتي اليهودية”

ليث سعيد هاشم الرواجفة
حين يتحول الأدب إلى أداة لمواجهة المستعمر وتعرية بنيته المجتمعية والثقافية والدينية، ويقوم هذا الأدب بتقديم حفريات تاريخية تكشف زور ادعاءاته بما لا يملك، وامتطائه لصهوة جهل المجتمعات التي استعمرها سابقاً، ومدى تأثيره عليها حتى الآن، والحديث عن الهيمنة أو الامبريالية الجديدة، وبروز أزمة الذات والهوية، عندئذ يمكن الحديث عن أدب (ما بعد الاستعمار) أو (ما بعد الكولونيالية).
تتمحور نظرية ما بعد الاستعمار حول تأثير الاستعمار على البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية على الدول المحتلة، وأن الطابع الاستعماري ما زال يواصل فعله كعامل مركزي في بلورة وتصميم الوعي الحديث، حتى بعد انهيار الدول الاستعمارية الكلاسيكية والحديثة، ومقولة ما بعد الاستعمار مقولة سياسية في أساسها تحولت فيما بعد إلى مصطلح نفد إلى مجالات عديدة لعل أهمها المجال الأدبي والنقدي والفكري، ويعد ادوارد سعيد من أوائل الذين صاغوا أسس هذه النظرية في كتابه (الاستشراق)، الذي جاء فيه أن الشرق كان شيئاً من اختلاق الخطاب الغربي، وهو الخطاب الذي صاغ من الوجود الحقيقي والمتخيل لشعوب الشرق صورة خاصة متخيلة فانتازية إلى حد بعيد، وشرح ادوارد سعيد في كتابه كيف كانت هذه الصورة –بطريقة ما- جزءاً غامضاً ومراوغاً من سياسة الاستعمار الأوروبي لبلاد الشرق.
ولأننا نعيش –إلى حد ما- مرحلة تطور الآداب المستقلة، التي وضعت حداً للقوى القامعة، وكيّفت اللغة والكتابة لاستخدامات جديدة من بينها الكتابة الما بعد استعمارية، هو ما أوجد المبحث الذي نروم طرقه ألا وهو (الاستعمارية أو الحالة الما بعد استعمارية) في رواية صديقتي اليهودية لصبحي فحماوي الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، عام 2015 م، وتتكون الرواية من (237) صفحة من القطع المتوسط، مقسمة على سبعة عشرَ عنواناً، وكل عنوان ليس كلمة أو جملة، أو رقماً، كما في باقي الروايات، إنما هو تاريخ، بدأ بــ (1/6/1993م) وانتهى بــ(29/6/1993م).
وهذه الرواية في شكلها العام عبارة عن سرديات (جمال قاسم)، وهو أردني الجنسية، عربي الهوية، مختص بعالم الحدائق، يسافر لزيارة بعض المعارض، ويلتحق برحلة سياحية تطوف به بلاد أوروبا، من شمالها إلى جنوبها، وبالصدفة يتعرف على جارته في المقعد (يائيل آدم)، وهي مكسيكية الجنسية، يهودية الديانة، اسرائيلية التوجه، وخلال الرحلة الطويلة تدور بينهما حوارات ونقاشات، ويتبادلان الآراء والأفكار، وتحدث بينهما قصص مختلفة.
وفي عتبة العنوان تظهر ملامح لإشكالية مصطلح (يهودي) الحاضرة في ذهن القارئ العربي بقوة، والمحفوظة داخل العقل الباطن، ذلك لما يعكس –هذا المصطلح- صورة تحمل في داخلها معاداة ليس لليهود، وإنما رفض للمحتل، وكل صور العنصرية والقتل والدماء والتشريد التي يعاني منها الفلسطينيون والعرب عموماً جراء الاحتلال الاسرائيلي.
إن القارئ يعيش رحلة سياحية تبدأ من ساحة (بيكاديللي) وساحة ريجنت، وسط لندن، وتنتهي بـ(اوسلو) النرويجية، مروراً بــ(روما، وفلورنسا، وجنوة، ووكنج، بوتسموث، وميناء دوفر الانجليزي، وميناء أوستند البلجيكي، وأمستردام، ومزارع بوسكوب، وسوق آلسمير الدولي، وجامع قرطبة، والفاتيكان، ونهر أمستل، وهامبورغ… الخ.
وخلال هذه الرحلة السياحية التي يعيشها القارئ بمتعة، يستخدم الروائي تقنية (الحكاية داخل الحكاية)، وهي مستوى من المستويات السردية التي تعد مبحثاً من مباحث مقولة الصوت السردي، جاءت في ألف ليلة وليلة بصفتها الرواية الأم، قبل أن يقترحها جيرار جنيت لدراسة النصوص السردية التي تتداخل فيها الحكايات، ويتعدد رواتها، ومن ثم، إن تعدد المستويات السردية ممارسة قديمة كانت تعرف في النقد الأدبي بالتضمين.
وقد يكون راوي الحكاية داخل الحكاية شخصية كما هو الحال مع (جمال قاسم)، وفعل السرد الذي ينشأ عن هذا الراوي مجموعة أحداث مروية، من خلال الحكاية الأصلية وفي سياقها، وأدت هذه التقنية في روايتنا وظيفة التسلية أو التلهية (الحديث مع يائيل)، ووظيفة الاعتراض (جمال قاسم يدفع عن العرب صفة الارهاب والتطرف، وعن العروبة صفة التخلف والتراجع الفكري)، ووظفت هذه التقنية لتعكس بعض مظاهر ما بعد الاستعمار ومنها:
الإمبريالية الجديدة
إن النظرة الغربية للشرق مبنية على منزلة الشرق الخاصة، فالشرق ليس لصيقاً بأوروبا وحسب، بل إنه موضع أعظم مستعمراتها وأغناها وأقدمها ومصدر حضارتها ولغاتها ومنافسها الثقافي الذي حدد (الغرب) بشخصيته وتجربته المقابلة -كما يقول ادوارد سعيد- والامبريالية مثلما فرضت نفسها على أرض الواقع تفرض نفسها داخل الرواية، فقدم الراوي تعريفاً موجزاً لها بشكل غير مباشر فيقول: (اكتشفوا أن حياتهم في الصحاري العربية هي مجرد عطش، وتعب، وقتال، واقتتال، وانقتال..) (ص68) مما دفعهم لاستخدام استراتيجية السيطرة عن بُعد ( أما الآن، فإن رأس المال الفردي، أصبح يمد أذرعه بسهولة ويسر، وبطريقة قانونية، فيقوم بــ(الاستخراب)، أقصد بــ(الاستثمار) أو بــ(الاستعمار) (الرواية: ص150)، وهنا تأكيد على الإمبريالية الجديدة التي تهيمن دون أن تخسر جندي واحد، وأن الحرب ما زالت مستمرة، فبعض الشعوب التي استقلت عسكرياً لم تستقل فكرياً وثقافياً واقتصادياً.
ومن صور الهيمنة الاقتصادية ذلك الوصف المفارق لموانئ العرب والغرب (ومن حولنا في منطقة الميناء المهيب، نشاهد مباني وأجهزة (تصدير وتصدير)، تختلف عن بلادنا العربية، ذات منشآت الموانئ الكئيبة، المخصصة (للاستيراد والاستيراد)..) (الرواية: ص92) فالعرب هم المستهلك الأول للمنتجات الأوروبية، ومصدر مهم لتنمية اقتصادهم، وزيادة دخل الفرد الأوروبي تكون على حسب الكم الهائل من الواردات الأوروبية للأسواق العربية.
جدلية الشرق والغرب
في مواضع مختلفة من البناء السردي يقدم الراوي الشاهد مشاهد دارت بين (جمال قاسم) و(يائيل آدم) حول أحقية مَن في امتلاك الأرض الفلسطينية: (تشمئز يائيل من هذا التشبيه، فتقول: لا تقل تدميراً، نحن اليهود نريد أن نجد مكان لنا تحت الشمس، نريد أن تكون لبني إسرائيل دولة نسميها إسرائيل. لا تقولي إسرائيل، قولي فلسطين، لا تقل فلسطين، قل إسرائيل) (الرواية:63)، فحالة الصراع لا تمثل شخصيتين داخل عمل روائي، بل تمثل أيدولوجية منقسمة لفئتين ترى كل منها نفسها على حق، وأزمة الهوية تفعل فعلها.
ويمتد هذا الصراع داخل فضاء الرواية ليشمل الصراع العربي (الشرق) مع نظيره الغربي (الغرب)، فنسمع صوت العرقيين الغربيين يقولون: (نحن الذين حفرنا آبار النفط في صحاري العرب، فهي لنا، ولو لم نحفرها لبقيت في آبارها، ولم يفرح بها العرب، ولذلك فهي آبارنا، ونفط العرب يجب أن يكون لنا) (الرواية: ص52)، بعد ذلك ظهر التواطؤ البريطاني على الحق الفلسطيني من خلال الحوار الذي دار بين (جمال) والعجوز الانجليزية (روز): (فقلت لها: كيف تهدي بريطانيا ما لا تملك، لمن لا يستحق؟ فقالت العجوز: لقد حزن زوجي على ذلك التسليم، كان يود أن يبقى الإنجليز هم الذين يتمتعون باستعمار فلسطين الدافئة الخضراء الجميلة..) (الرواية: ص56).
ويقدم بطل الرواية (جمال) صوراً لآثار الدمار والخراب التي خلفتها التجربة الأوروبية الغربية في الدول المحتلة (الشرق) فيقول: (كانت الدول المعتدية تقوم بالاستيلاء الذي يسمونه زوراً (الاستعمار) بينما هو (الاستخراب)) (الرواية:150) فالراوي قام بعملية تعرية لمصطلح (استعمار) الذي زرعه المحتل وتمكن -بطريقة ما- أن يجعله تيمة رائجة حتى في الأوساط الفكرية التي تحاربه، والتي سقطت في لا وعي منها بمدح عملية الاحتلال ونعته بالاستعمار، بينما هو (الاستخراب) بحد ذاته.
هشاشة المجتمع الغربي
ورد في متن الرواية بعض القصص التي تشير لهشاشة المجتمعات الغربية ومدى انحطاطها وتفككها وانتشار الأوبئة الأخلاقية والفكرية التي لا تردعها قيم دينية أو تقاليد إنسانية، وهذا النوع من المواضيع نادى به بعض المفكرين أمثال علي حرب وحسن حنفي وغيرهما، الذين أرادوا أن يطوروا نظرية ادوارد سعيد (الاستشراق) فيما أطلقوا عليه (الاستغراب)، ومثال ذلك القصة التي رواها الرجل العجوز لجمال عن جارته التي (تزوجت من رجل مرموق، يعمل مدير فرع بنك مشهور، أسكنها في فلة جميلة، طلبت المرأة الفاسقة من زوجها أن تتسلى وتنشغل بتأجير غرفة للغرباء في بيتها الجميل، وبعد ستة أشهر من هواية التأجير هذه، هجرته وهربت مع أحد النزلاء، الذي يبدو أنها قد انسجمت معه في أشياء كثيرة) (الرواية: ص59-60)، وورد في الرواية أيضاً انتشار الشذوذ الجنسي، وزواج المثليين، وعدم مساعدة المحتاج، والقنوات الاباحية، والحرية المفرطة داخل المجتمعات الغربية.
نقد الذات
الراوي كان محاوراً لثقافته ومجتمعه، منتقداً لبعض الأمور، ومفتخراً في أمور أخرى، وكما قال باختين (الروائي منتج للمعرفة، ومحاور لثقافته ومجتمعه، ومن ثمة فإن إنتاجه لا يمكن أن يكون مادة (محايدة) تتلقفها الأسلوبية التقليدية لتصفها وصفاً لسانياً، أو تبرز مدى تفردها التعبيري والمعجمي)، فيمكن ملاحظة المفارقة بين العرب والغرب في كثير من الأمور مثل: استثمار كل منهما للوقت، والمفارقة بين عمّال العرب والغرب، وكيفية قيام عامل أوروبي واحد بمجهود فريق عربي كامل دون عناء أو تذمر، بالإضافة للبون الشاسع بين الاقتصاد العربي، والغربي تحديداً البريطاني، والمفارقة بين الحدود العربية ونظيرتها الغربية، والفرق بين ملك أوروبي، وأصغر مسؤول عربي في التعامل مع الرعية وتواضعه.
وتهدف هذه المفارقات للتنبيه والتوجيه، وتصحيح العديد من الأمور السلبية التي يمارسها الكثير، وتعكس صورة غير حضارية تتنافى مع القيم والمبادئ التي لا تمثل مكنون الانسان العربي وقيمه الأخلاقية والدينية.
والقضايا التي تطرقت لها الرواية لا يمكن حصرها في هذا الحيز البسيط، ولكن لا يضر الاشارة إليها، مثل الحديث عن الحضارات الشرقية، ووجود العرب في الأندلس، والحديث عن بعض الأساطير القديمة، والسخرية من اتفاق أوسلو والممثلين غير الشرعيين للشعب الفلسطيني.
وفي النهاية يمكن القول بأن الروائي استخدم أسلوب الرحلة الممتعة، ليكون معه الوقت ليروي ويعري حقيقة المجتمعات الغربية المخدوعين بها، وآثار الاستعمار السلبية حتى يومنا هذا، وأن اليهود معظمهم من أصل جماعات الفايكنج الذين نزلوا من شمال أوروبا إلى بحر الخزر، وأسسوا مملكة الخزر، ثم اعتنقوا الدين اليهودي، وليسوا ساميين مثل العرب، ولا يوجد لهم أي حق في فلسطين لا تاريخياً ولا جغرافياً وحتى عرقياً، حتى لو تواطأت جميع قوى العالم على غير ذلك، فرواية (صديقتي اليهودية) نوع من المقاومة الأدبية والثقافية، التي تجعل من القلم والكلمة أداة مقاومة سلمية، تؤثر وتعري وتدافع وتغير.

قد يعجبك ايضا