أسطرة المكان واستدارة الزمان في رواية «أزمنة الدم» للعراقي جهاد مجيد
نادية هناوي
كثيرا ما سمعنا قول ذي الرمة (أخط وأمحو الخط ثم أعيده) لكننا قلما تنبهنا إلى ما فيه من ميتافيزيقية التمظهر الاستداري، الذي هو أحد مفاهيم المدرسة الظاهراتية، والمعطى الفلسفي الذي يتم توظيفه بدراية وقصدية في البناء السردي ما بعد الحداثي.
صحيح أن السرد الحداثي عرف نسق البناء الدائري، حيث يبتدئ المبنى السردي من النقطة نفسها التي ينتهي عندها، لكن هذا الأمر في سرود ما بعد الحداثة متسربل في إطار مخالف لهذا النسق الحداثي، كونه يسعى إلى الإدهاش لا الإقناع، والتثوير لا التعريف، بطريقة عجائبية تلغي تعاقبية الزمان. أما المكان فينعزل في بؤرة يتمركز فيها بوصفه محورا فاعلا ذا قوة جاذبية، تجعله وجها لوجه مع استدارة الوجود الزماني.
وكان الفلاسفة الرواقيون والسفسطائيون كسقراط وبارميندس قد اعتقدوا بدورانية أو كروية الوجود المستدير وكليته الكونية الأنطولوجية، وذهب غاستون باشلار إلى «أن صور الاستدارة الكاملة تساعدنا على التماسك، وتسمح لنا أن نضفي مزاجا مبدئيا على ذواتنا، وأن نؤكد وجودنا بحميمية في الداخل، لأن الوجود حين تعاش تجربته من الداخل، ويصبح خاليا من كل الملامح الخارجية، يكون مدورا» (جماليات المكان). والتوالي الزماني وتعاقب ساعاته وأيامه وشهوره وفصوله، هو تكور ظاهراتي منطقي بدلالة العلم الوضعي والمقدس السماوي، في حين تظل هندسة المكان ثابتة ضمن استدارة الزمان.
وظاهراتية المكان فارغة، يملؤها الزمان بالحركة، ومن هنا يتشكل الإغواء السردي الذي يتجاذب المكان والزمان معا.. وأهم سمات هذا الإغواء هو المخيلة التي تنتزع صورها من استدارة الزمان وثبوتية المكان، مشكلِّة لها مركزا وهامشا أو محورا وفضاء في صيغة أحلام وتهويمات تجد لها في الواقع أرضية ترتكز عليها فيغدو الواقع مستغلقا ومعزولا.
والمعاينة النقدية لأبنية السرد المنضوية في بوتقة مرحلة ما بعد الحداثة، تؤكد أن التواجد المكاني للشخصية خارج حدود الوجود الفيزيقي هو الذي يجعل الشخصية منغلقة على ذاتها، منطوية على هندسية الوجود بمتافيزيقيا التناهي في الصغر والتناهي في الكبر بتعبير باشلار وبجدلية الداخل والخارج والتمركز والهامش والفوق والتحت واليقين والارتياب والاضطراب والتوالي والاستعادة والضياع .
وليس خافيا أن المبدع عموما والكاتب الروائي تحديدا لا يكتب من فراغ، وإنما هو يكتب وقد استظهر بعدا فكريا معينا، أو استثمر رؤية فلسفية خاصة ومحددة، ومنها الرؤية الظاهراتية إزاء الواقع والحياة، ليعبر عنها في الكتابة الروائية والقصصية بشكل واع أو غير واع، وبصورة مقصودة أو غير مقصودة.
ومن هنا تتأتى الأرضية الظاهراتية لأي عمل كتابي شعريا كان أو نثريا، وفي الأشكال الواقعية كلها نقدية أو اشتراكية أو جديدة أو بنائية أو سحرية أو غرائبية أو إيهامية أو هدامة، الخ.
هذا من جانب ومن جانب مماثل؛ فإن أهم ما يمدُّ الناقد الهاضم للنظرية السردية، أو حتى الطارق لها والمحاول التمسك ببعض تلابيبها، هو ارتكانه إلى منظورات الفلسفة الظاهراتية التي تفتح للنقد آفاقا رحبة للتأويل والرصد المبنيين على استراتيجية قرائية وبمقصدية نقدية، أهم سماتها الحياد والاتزان والموضوعية.
وتتجلى في رواية «أزمنة الدم» للكاتب العراقي جهاد مجيد الصادرة في طبعتها الأولى عن دار الرافدين في بيروت عام 2016.. أحد مفاهيم الظاهراتية المتمثلة في رؤيتها المستديرة لميتافزيقيا الوجود بحثا عن الحقيقة وارتهانا بالأفكار الواعية، عبر نوعين من المخيلة (المخيلة الصورية والمخيلة المادية) بما يجعل الرؤية الاستدارية التي هي من الموضوعات الأثيرة في الفلسفة الظاهراتية، تشكل عند جهاد مجيد المحور الموضوعاتي الذي دارت حوله روايته، التي تحفر في المخيلة باحثة عن بدئية زمانية تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وإلى بؤرة مكانية سحيقة تمثلها ميزوبوتاميا أو بلاد الرافدين.
وإلا ما كان الزمن في هذه الرواية عبارة عن أزمنة. ولما صارت هذه الأزمنة بمجموعها الغابر منها والسحيق، دائرة في دوامة (الماضي ـ الحاضر ـ المعاصر ـ الراهن) مصطبغة بدورانية دموية وازدواجية حلمية /واقعية، وجاذبية مغناطيسية يتماهى فيها الداخل بالخارج وينادم فيها الزمان المكان «اختفت آثار الزوار وبقيت منهم نتف متناثرة؛ بقايا طعام, قشور فواكه، أعقاب سكائر، علب فارغة، ورق بألوان مختلفة.. آثار أقدامهم على الرمال.. هل تصمد آثارهم للزمن صمود هذا الصرح التاريخي الشامخ؟ اختفوا.. كأن قوة سحرية سحبتهم فجأة فأخلت المكان منهم كما أخلته من الذين من قبلهم». وهذا ما تحمله بنائية الفعل السردي في رواية «أزمنة الدم» وقد تقصَّد كاتبها تمثيل ازدواجية التعايش مع الوجود من الداخل والخارج، من خلال فضاء متسع من الأحلام والرؤى والتخيلات الإيهامية، ولهذا كان البطل /المرشد الآثاري، الذي هو السارد المركزي في الرواية معايشا أزمنة عكستها أشياء المكان التاريخية الغابرة ممثلة بـ(الصرح العتيد بقمته المستدقة ومعبده التليد بصخوره الصماء ودكة مذبحه المقدسة وموكبه المهيب وأعمدته الاسطوانية وبهوه الواسع المتهدم الأركان) جنبا إلى جنب أشياء المكان الحديثة ممثلة بـ(الكازينو المهجور والورقة السمراء والكتب المودعة) ليكون المكان هو البؤرة المركزية التي ستدور حولها الأزمنة جميعها وبذلك يكتمل بناء المشهدية السردية المستديرة.
ويظل الالتفاف والانطواء يتخللان حركية الأحداث، وتشكل الزوايا والأركان خصوصية مكانية لحركة الشخصيات في فضاء من التناهي، ما بين الصغر والكبر والداخل والخارج والمفتوح والمغلق والزمان والمكان والقديم والحديث «الآثار آثار أينما تكن فلا بد من اقتفاء آثارها». «صرح تليد ومبنى جديد الأول ضارب في القدم والآخر ينحني مستخذيا أمام الأول». وفي تمثيل التاريخ أو ما قبل التاريخ؛ تصبح هذه الدائرية المكانية مترافقة مع استذكارات حلمية «المكان يسيل عذوبة.. وهكذا كان في سالف الأزمان». ويكون المكان أبقى ثباتا من الزمان ولذلك تتعدد الأزمنة بينما يظل المكان واحدا. وإذ يجسد الزمان خطية الذاكرة التي نهايتها التحطم والموت؛ فإن المكان يجسد دورية الحلم حيث لا نهاية لاستمراريته.
ولأن الذاكرة المكانية عند السارد ذاكرة مؤسطرة بالحلم ومنغلقة عليه، لذلك كان الحلم التقانة الأكثر توظيفا في الرواية، التي بها يحفر السارد في عمق الزمان وكأن قوة مغناطيسية تجذبه إليه، لتتجلى له أزمنة الخوف والتوجس والدم.. وهذا ما ولّد أسطرة مكانية تجادل فيها مزيج من الذاكرة والأسطورة.
والمكان بأشكاله (المهجور والمأهول/المفتوح والمغلق) إنما يجادل الزمان وينادمه، عاكسا جدليات أخر، منها جدلية (القوة والقوة المضادة وجدلية الأجساد المغرية والعظام النخرة وجدلية العصور المندرسة والأمكنة المزورة والمشوهة).. ولذلك تختلط رؤية عداي الخليف برؤية أيسول الصياح «عداي في ظاهره وباطنه إنسان بدائي.. كأن آلاف السنين التي مرت على البشرية نفذت نفوذ الهواء في أنابيب مفتوحة الفوهات». ويصير الشيخ سهيل الغضبان صورة ثانية عن أدبون ناشيبال و«ينطلق عويل الوتر اليتيم ينتشر في الفضاء الشاسع هل يبحث عن تراتيل المعابد القديمة ليمتزج بأنغام القيثارات الأورية».
وتزود هذه الجدليات السرد بالدرامية، كما تجعله محملا بكم هائل من التساؤلات التي تنثال على لسان السارد بضمير الأنا، ولاسيما في الفصل الأول وبشكل متتابع ومستمر، كأن يتوجس من التاريخ الرسمي ويشكك بمن يكتبونه كونهم ما نقلوا لنا إلا ما أراده المنتصرون، فنقل زكنون أليمار لنا ما أراد ناشيبال أن نعرفه عنه، ليكون التاريخ هو تاريخ زكنون اليمار وليس تاريخ الوقائع، كما جرت ووقعت في الحقيقة ويظل هذا التزييف يشغل السارد بالأسئلة «ألم يجلب ملوك ميزوبوتاميا الفتيات من شتى بقاع الأرض؟». «أي عين رأت ذلك؟ حساب الزمن.. مضي العصور لن تكون سوى إغفاءة في جفن الغوابر من العصور». وبذلك تؤكد رواية «أزمنة الدم» دوامة التفكير المستدير في الزمان وتجلياته الفلسفية، وفي مقدمتها أن التاريخ ما عاد علما أساسه الوثائق وبغيته المدونات، وإنما هو مسرود كسائر المسرودات القصصية أو الحكائية التي يطالها الحلم والخيال كما يطالها الإثبات والتحقق.
ناقدة وأكاديمية من العراق
