نحو الاندماج في هوية عالمية

حسين الضو

ما يجعل العمل الأدبي كلاسيكياً، هو تمكنه من تجاوز أصعب اختبار، واستحسان أقسى ناقد عرفه التاريخ، وهو الزمن، أي أن ثمة خصوصية تملكها هذه الأعمال جعلها تبقى خالدة ومتجددة، على الرغم من تبدل الأجيال، وجعلت القرّاء من مختلف بقاع العالم متلقين محتملين لهذا النص، فما هي تلك البذرة التي تجعل من العمل الأدبي نصاًّ ذا قبول عالمي أو ما يعرف بـ universal appeal، الذي ليس لها وجود في معظم النصوص العربية، والذي يغيّبها عن الحضور العالمي؟
النصوص ـ الأدبية تحديداً ـ هي شكل من أشكال الخطاب، وأداة تواصل غير مباشر، قد تكون جسر تواصل بين الثقافات، وقد تكون أيضاً عائقاً بينها إذا تبنت شكلاً من أشكال الخطاب المنغلق الذي لا يُفهم إلا من قبل كاتبه وجماعته. ومنتجات هذا النوع من الخطاب ذي اللغة المحدودة، تستبطن فكرة مغلوطة لا تكترث لما يجب أن يكون عليه النص، وذلك بأن يكون إضافة للإنسانية أجمع. ونجد هذه الفكرة عند كبار الروائيين بأساليب مختلفة، إذ يقول ميلان كونديرا: «الرواية التي لا تكتشف جزءاً من الوجود، هي رواية لاأخلاقية» أي أن لُب الرواية هو أمر مختص بالإنسان بشكل عام. كذلك أمبرتو إيكو الذي اتخذ من ثنائية اللسانيات بين الدال (اللغة) والمدلول (الأفكار) أسلوباً للترميز أو ما يعرف بالسيمياء، ونرى اشتغال رواياته على هذا النسق، كي يزاوج بين المحلية الظاهرة والعالمية المبطنة بالترميز المغرق بالفلسفة التي تهم الإنسان عموماً.
وهذه المشكلة ـ مشكلة الخطاب المحدود ـ ينبغي عدم تجاهلها عندما نلقي نظرة على الإنتاج الأدبي العربي، فهي نصوص معبأة عاطفياً لتدغدغ جماعتها فقط، وموجهة لقارئ يتفق معها، بدون احتواء الإنسان الآخر المختلف، ولا تحاول أن تتناول موضوعاتها وقضاياها على أرضية مشتركة ذات قيم بشرية عالمية. فالعالم العربي على الرغم من اتساع رقعته الجغرافية وكثرة تعداد سكانه لا يقدم إضافات حقيقية للمجتمع العالمي فنياً وحتى علمياً، ومساهماته محدودة جدا مقارنة بالأمم الأخرى من جهة وبالمقارنة مع نسبته كتعداد سكاني في العالم من جهة أخرى. وهذا ما يجعل نظرة الآخر لنا نظرة دونية، نظرة ناتجة عن عدم معرفة، سببها خلل في الخطاب والتواصل الثقافي، وهذا ما يبرر قبول تلك الشعوب لما يجري للعالم العربي من انتهاك وتدمير، فهم لا يعرفون عن هذه الثقافة سوى ما تقدمه منابرهم الثقافية، التي احتلت دورنا الشاغر في أن نقــــدم أنفسنا وقضايانا بلغة عالمية وخطاب ذي قيم موحدة ومفهومة للجميع، واخترنا عزلة ثقافية غير مبررة.
بسبب هذه العزلة، نرى أن الانهمارات للنصوص الروائية محدودة موضوعاتياً في ظواهر تفصيلية ضيقة، تهم مجموعة محدودة جدا، بدون دمج الموضوع الرئيس واحتوائه بقيمة عليا عالمية. على سبيل المثال، كثيرة هي الروايات السعودية التي تناولت موضوع السلطة الدينية و«الهيئة» في السعودية، بدون رفع مظلة الموضوع ليتناول مفهوم الحرية والتعددية، فتكون الرواية مجرد إعادة لظواهر دورية متكررة، بدون الحفر عميقاً في بُنى هذا الموضوع، التي هي غالباً ما تكون قيما وفلسفات وقضايا تهم الإنسان عموماً. فتقبُّل العمل يكون منوطاً، إما بدقة وصف المشاهد وقربها من الواقع، أو بموافقة رأي القارئ لها، وذلك ما يقصي القارئ الآخر الذي لا يجد لنفسه حضوراً في النص ولا تجلي فيه لأي شيء يشبهه كإنسان قبل أن يكون أي شيء آخر أو قارئ بهوية محددة.
فلا غرابة أن نرى عزوف الآخر عن المنتج العربي، ورفض دور النشر لترجمة هذه الأعمال، فالشرخ في التواصل بين نص كهذا والقارئ الآخر كبير، يحول بينه وبين أن يفهمه، فضلاً عن وجود نفسه فيه، وذلك لا يعني تغيير مناخية العمل الروائي بنقل مركز الأحداث من قرية عربية إلى باريس أو لندن، ولا عبر إقحام شخصيات أجنبية في النص أو تبديل ثقافة الكاتب والقضايا التي يعيشها والتي تهمه، وإنما عبر البحث عن هذه الأرضية المشتركة من القيم والمفاهيم ودمجها مع محلية النص.
غير أن ذلك ليس بالشيء السهل في ظل وجود ثقافة الانهزام كهوية مشتركة لمنطقة جغرافية مترامية الأطراف، فهذه الثيمة بالإضافة إلى أنها ذات قبول مضمون ولشريحة كبيرة تصيب الروائي بالارتياح للكتابة فيها، وتجنبه المغامرة في كتابة أمر غير مقبول، هي أيضا ذات إمكانية خصبة لتحويلها إلى صراع أدبي تعيشه الشخوص، فالصراع جاهز ومقولب ومنمط سلفاً يتجرعه القارئ العربي بيسر وطمأنينة.
هنا أيضاً يكمن دور الأدب المقارن، الذي يغيب عنه المنتج الثقافي العربي أكثر من غيره، وللأسباب ذاتها التي ذكرت. ويبدو أن المشكلة في غاية الاشتباك لتشارك المؤلف والناشر والجوائز والمنابر الثقافية في ترسيخ هذه العزلة، بدون رفع منسوب الوعي بها، ويضاف إلى ذلك غياب وظيفة المحرر الأدبي، وإقصاء القراءات النقدية الجادة بسبب ما تخلقه من توتر وعدم ارتياح لمن يريد التسلق على حساب الأدب والفن. وما تقوم به هذه الأطراف من رفع للمنتج الثقافي العربي، يبدو قسريا وبدون جدوى، فالجوائز الأدبية ـ مثلا ـ تقيم مسابقات طاحنة تحركها الجائزة المالية الضخمة لتقديم عمل نوعي للآخر، بدون الغوص عميقاً في النصوص ودراستها، بل تقوم بترجمتها وفق عقود واتفاقات مع دور نشر أجنبية، وهذا لا يعني بأن الآخر سيقرأها، فقد تُرجمت روايات، مثل «ساق البامبو» و«القندس» وبقية روايات البوكر وتقديمها على أنها الأفضل عربيا، بدون التفات الآخر لها، لأنها ذات محتوى لا يعنيه.
قد يكون هناك خلط بين العزلة الثقافية التي أعني والاهتمام بالنتاج المحلي فقط. فعلى سبيل المثال، فرنسا، هي أكثر المجتمعات التي تهتم بما يدور ويُنتج من مثقفيها وروائييها فقط، وكأن كل ما يحدث خارج فرنسا هو خارج اهتماماتها، ولكن عندما ننظر إلى محتوى المنتج الثقافي الفرنسي كالفلاسفة والروائيين أمثال ميشيل فوكو وجاك دريدا وقبلهم ألبير كامو وسارتر، نرى أعمالهم ورواياتهم تتحدث عن قضايا وجودية وطرق تفكير تخص بنية العقل، وهذه أمور تهم القراء والإنسانية أجمع، وهذا ما جعل القرّاء من مختلف بقاع العالم تتسابق لقراءة كتبتهم ورواياتهم، لما فيها من هم مشترك وتساؤلات يطرحها أي فرد على نفسه بغض النظر عن خلفيته الثقافية.
وذلك أيضاً يشبه الثقافة العربية والإسلامية في عصرها الذهبي، ونتاج قامات مثل ابن سينا وجلال الدين الرومي وغيرهم الذين قدموا فلسفة وأدبا وثقافة ذات قيمة تفرض نفسها على الإنسانية جمعاء، بدون أن تروج أو تفرض نفسها. وذلك لأن الثقافة لا تروج بالمال أو السياسة وإنما العكس، حيث إن جذر ومصدر القوة في مختلف جوانب الحياة لا ينبع إلا من الثقافة ذات القيمة الإنسانية.
على الكتّاب والروائيين إذا ما أرادو أن يرتقوا بالأدب والثقافة العربية، النظر إلى أنفسهم أولا كأفراد ضمن مجتمع عالمي يستطيع التواصل مع أفراده بلغة مشتركة، ومن ثم احتواء هذه الهوية وتطويعها لهوياتهم وقضاياهم المختلفة، كي يتم الالتفات لهم كجزء من المجتمع الدولي، وتفهم خطابهم وخلفياتهم الثقافية والطريقة التي يفكرون بها.

كاتب سعودي

قد يعجبك ايضا