ماذا بعد ذروة صفقة القرن؟
نشر هذا الأسبوع تأبين رسمي لفرص خطة السلام للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. المدهش هو أن احتفال هذا التأبين كان على مبادرة لم تولد بعد والمؤبن كان من هو شريك في مساعي توليدها. فتصريح سفير الولايات المتحدة في إسرائيل ديفيد فريدمان بأن الخطة ستنشر «حين تتوصل الإدارة إلى الاستنتاج بأن احتمال قبولها وتنفيذها يصل إلى الذروة»، كان دليلاً خالداً على أن الخطة لن تنشر في المستقبل المنظور ومشكوك جداً في أن تقدم على الإطلاق. أقواله أيضاً كشفت السفير المحترم ليس فقط كمن ليس له تجربة دبلوماسية، بل كمن لا يفهم الواقع السياسي المعقد في الدولة التي يخدمها فيها كممثل لبلاده أيضاً.
ليس هكذا يتحدث سفير ـ بل وعلناً ـ عن مبادرة سلام ينظر إليها رئيسه لأنها صفقة القرن، وفي البيت الأبيض يعملون عليها منذ سنتين، وهو نفسه ضمن الفريق المكلف ببلورتها وصياغتها. فما معنى «احتمال قبولها يصل إلى الذروة»؟ عن أي ذروة يتحدث السفير فريدمان؟ أن يهمس وزير التعليم نفتالي بينيت ووزيرة العدل آييلت شكيد في أذنيه بأنهما مستعدان للموافقة على بند في الخطة يقول إن القدس ستكون عاصمة مشتركة لإسرائيل والشعب الفلسطيني؟ فالوزيرة شكيد سبق أن قالت في خطابها في مؤتمر «جيروزاليم بوست» إن الرئيس ترامب يضيع وقته في إعداد الخطة». ولعل السفير فريدمان يتوقع أن تتضمن إمكانية قبول الخطة ليس من قبل رئيس السلطة أبو مازن، إنما قيادة من حماس أيضاً؛ بأن تعلن مسبقاً تأييدها لها. هذه بالفعل ستكون ذروة، ولكنها هاذية وغير واقعية.
ثمة «ذروة» أخرى إمكانيتها قائمة، بالذات في بلاد السفير فريدمان. ولكن يبدو أنه ليس واعياً لوجودها: موافقة معلنة من قيادة الافنجيليين في الولايات المتحدة على مبادرة سلام لا يريدها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حبيب قلبهم.
انضم مؤخراً إلى الفريق الذي يعنى ببلورة الخطة مستشاران، وزير الخارجية مايك بومباو، ومستشار الأمن القومي جون بولتون. ولكن ما لا يعرفه فريدمان في مكانة إقامته في إسرائيل على ما يبدو هو أن بومباو يتحفظ من نشر الخطة ويطلب تأجيل عرضها إلى موعد غير محدد. بومباو، الذي عارض في حينه نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، يتطلع إلى سياسة خارجية شرق أوسطية متوازنة. جون بولتون لا يحب خطة السلام انطلاقاً من عطفه الثابت على إسرائيل ومعرفته بأن رئيس الوزراء نتنياهو، موضع إعجابه، يتطلع إلى الحفاظ على الوضع الراهن الحالي في العلاقات غير العلاقات مع الطرف الفلسطيني. بولتون هو الرجل الأخير في واشنطن وفي الإدارة الذي سيؤيد خطوة من المتوقع لإسرائيل أن تعارضها أو حتى تتحفظ منها.
يهود كبار في الجالية، ممن يتماثلون كمن يقيمون علاقات مع محافل في قيادة البيت الأبيض ويطورون علاقات قرب مع نتنياهو، يبلغون في محادثات خاصة بأن رئيس الوزراء شدد مؤخراً معارضته لخطة السلام، وتخوفه من نشرها أصبح يشكل له كابوساً.
خطة السلام للرئيس ترامب فشلت حتى قبل أن تخرج إلى هواء العالم
«توصل نتنياهو إلى الاستنتاج بأن كل خطة، حتى وإن كانت في قسم منها تميل إلى إسرائيل، ستصبح عاملاً يهدد سلامة الائتلاف الذي هو على أي حال في وضع مهزوز»، قال رئيس منظمة يهودية مركزية سابق.
تدعي محافل دبلوماسية في مركز الأمم المتحدة في نيويورك ومحللون في واشنطن بأن الرئيس ترامب فقد مؤخراً حماسته لمبادرة السلام. وزعم في أحاديث خاصة أنه رغم تغريداته المؤيدة للخطة، بدأ الرئيس يفهم بأن هذا مشروع معقد جداً من شأنه أن يتسبب له بالإحراجات. «لقد استوعب الرئيس تناقضاً داخلياً صعباً بالنسبة له في إلحاحية الخطة»، قال خبير في شؤون الشرق الأوسط. «إذا كانت الخطة تميل تماماً لصالح إسرائيل وأحبها نتنياهو، فإن اللاعبين العرب ذوي الصلة سيرفضونها رفضاً تاماً. وإذا كانت الخطة متوازنة، فالرئيس سيكون ملزماً بأن يتنازع عليها ليس فقط مع أبو مازن، بل مع نتنياهو أيضاً. وترامب سيفكر 10 مرات إذا كان مستعداً لأن يخاطر بتأييد 80 مليون افنجيلي في أمريكا».
التقدير هو أن ترامب سينتظر فرصة تبدو في نظره مناسبة لنشر خطة السلام، ولكنه لن يقاتل في سبيل تقدمها. فهو سيكتفي بنشرها وبالانكشاف الإعلامي الذي يحبه جداً. «بالإجمال يريد الرئيس بكل قلبه أن يحقق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين»، قال مسؤول يهودي تولى في الماضي منصب رئيس مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية. «ولكنه ارتكب خطأ جسيماً وكلف ببلورة الخطة وتصميمها طاقماً عديم كل خلفية وتجربة سياسية، وعديم كل معرفة لواقع الشرق الأوسط وعديم الفهم للقوى في الساحة المدنية. مع طاقم مهني، جيد وخبير إلى جانب رئيس مفعم بشكل مهووس بالتطلع على تقدم السلام ـ كان يمكن تحقيق نتائج جيدة على الأرض منذ زمن بعيد.
كل رئيس وإدارة أمريكيين في العقود الخمسة الأخيرة فشلوا في مساعيهم للتوسط بين الطرفين المشاركين وحملهما إلى اتفاق حول حل سياسي. ولكن خطة السلام للرئيس ترامب فشلت حتى قبل أن تخرج إلى هواء العالم، وفرصها هزيلة قبل أن نعرف بوضوح ما الذي يوجد فيها. هذه ذروة لا بد أن السفير فريدمان بالطبع لم يحلم بها.
شلومو شمير
معاريف 30/11/2018