مهمة مستحيلة

بروين حبيب

 

ترى بماذا ضحى الكاتب حين ظهر على شاشات التلفزيون، وماذا فقد من تلك الأشياء التي اكتسبها من الكتابة مثل، الوقار والجمال الذي نسجته المخيلة القارئة، وفقا لمحتوى نصه؟ إن المرئي الذي أسميه مذبح الترفيه، له متطلباته التي لا يدركها الكاتب، الذي يبقى متخفيا خلف حروفه ولغته ومؤلفاته، ولعلي نموذج جيد لتلك التغيرات والروابط بين عالمين متناقضين تماما من أول وهلة. وهي روابط أقل ما يمكن أن نقول عنها إنها جد خطيرة بين الكاتب والشاشة الصغيرة.
لم يقبل التلفزيون ببساطة الكاتب، ولا بهندامه المهمل، ففي قانون المشاهدة تأنق الحرفِ لا يكفي، لكن يُكن التلفزيون، بدوره، كثيرا من الامتنان للكاتب، لأنه أسس لقاعدة ثقافية للمؤسسات المرئية، هي الاحتفاء بكُتاب كبار، سواء في حياتهم أو بعد رحيلهم. أكثر من ذلك، أعتقد أن الميراث الثقافي المرئي راجع كله لكوكبة من الكتاب الذين اقتحموا العمل التلفزيوني بمحض الصدفة. في دول غير دولنا، كانت وفاة كاتب كبير تعتبر حدثا جللا، تُجند له وسائل الإعلام لنقله، وكان الكاتب مادة إعلامية في غيابه، كما في أحداث مهمة في حياته، أما عندنا فقلة جدا من الكتاب والشعراء الذين نالوا شرف التغطية، وهم يوارون التراب، بل ظلت الصحافة المكتوبة أكثر وفاء لهم بسبب الرابط المتين معها، من خلال قرابة القلم.
وهي قرابة لا يبدو فيها التكلف، كما يبدو في ريبورتاجات تلفزيونية تٌخرج الكاتب من بيئته، وتقدمه كممثل فاشل لجمهوره، وهو يقرأ كتابا من كتبه، والسؤال لماذا يفعل ذلك؟ أو وهو يمشي في الشارع، أو يقطف وردة، أو يشرب قهوته. لقد أصبحت هذه المشاهد مملة وهي تضع الكُتاب جميعهم في شخصية واحدة، مبعدة إياهم عن عالمهم، الحقيقي، أقول هذا عن خبرة وتجربة طويلة في التعاطي مع البرامج الأدبية والثقافية، فقد رأيت دوما أن الاحتفاء بكاتب يجب أن يتم عبر صالون أدبي، يجمع حوله قراءه، ومحبيه، وأن يمنح حيزا أكبر على الشاشة، فنرى جسده كاملا، ونتأمل تفاصيل وجهه، ويديه، وعينيه، وشفتيه، ونسمع نبرة صوته بوضوح يرافقها بعض الصدى، وبعض الموسيقى وهو يقرأ نصه. يمنح بذلك الكاتب فرصة ثمينة للتسويق لنفسه، ليس كجسد، بل كحضور فكري منفصل عن هيكل اللغة الذي وُضِع فيه طيلة قرون.
دعونا ندرك اليوم أن أي كاتب قدّمه التلفزيون إنما قرب الكِتاب للقارئ، ولم يبعده، وأن كان بعض الكُتاب في الغرب صنعهم التلفزيون، ففي عالمنا العربي أيضا، هناك من هم صناعة إعلامية محضة. أما تلك القاعدة التي نشرت الرعب في الأوساط الثقافية على أن مستقبل الكتاب مظلم وسط تزايد انتشار تقنيات المرئي والأونلاين، فهي مجرد تهويل قصير المدى، لقد أثبت الكتاب أنه كائن متأقلم مع كل اختراع جديد يجذب الأجيال الجديدة. تنتشر اليوم مقاطع فيديو ترويجية للكتاب، وبالمقابل تنمو يوميا نوادي قراءة لا تعتمد سوى على النسخ الورقية منه، وهذا إن دل على شيء فإنما على قوة الكتاب في فرض حضوره، حـــتى ظاهرة الـ pdf التي انتشرت بين جمهور يجزم البعــــض أنها في تراجــع، لأنها جد متعبة، لتحميل العناوين المرغوبة، بعض المواقع مثلا تقترح نسخا مشوهة تماما للكتاب، فيما بعضها يكون مفخخا ببعض الفيروسات، كما يحتاج القارئ أحيانا لطبع تلك النسخ المحملة تفاديا لتعب العيون وتأثير شاشات الكومبيوتر السيئ عليها أثناء القراءة.
السؤال المهم الآن هل زادت نسبة مبيع الكتاب الورقي أم قلت وسط جنون الأونلاين؟

سبق أن راهن البعض على موت الكتاب بظهور الراديو والتلفزيون، وكان الرهان فاشلا، فالذي أثر على الكتاب ليس ظهور وسيلة إعلامية أخرى، بل تدني مستوى التعليم، وتسييس الدين، وتوجيه أجيال بأكملها إلى معاداة الثقافة والفنون.

إن ما قيل في زمن مضى عن موت السينما أمام ظهور التلفزيون، يقال اليوم عن الكتاب الورقي وظاهرة الأونلاين؟ فقد سبق أن راهن البعض على موت الكتاب بظهور الراديو والتلفزيون، وكان الرهان فاشلا، فالذي أثر على الكتاب ليس ظهور وسيلة إعلامية أخرى، بل تدني مستوى التعليم، وتسييس الدين، وتوجيه أجيال بأكملها إلى معاداة الثقافة والفنون والاكتفاء بدروس الإملاء التي تبعث من منابر دينية خاطبت عواطف منهكة من الظلم السياسي والاقتصادي.
واليوم إن شئنا أن نتحدث عن نهضة وشيكة ستلامس الشعوب العربية، فهي هذه النهضة التي بزغت عبر الأونلاين، وكسرت التعليم الرديء الذي لُقم لأبنائنا عبر أنظمة جاهلة، وإن كان هناك ما يجذب المتفرج اليوم فهو البرامج الجادة، مخطئ من يدعي أن التفاهة هي الغالبة على المتفرج العربي. يمكن لمقطع بسيط من نصوص جلال الدين الرومي أن تنال نسبة مشاهدة عالية، مثلما تنال القطة العالقة على سطح بناية النسبة نفسها، إنه العمق الإنساني الذي لم تلوثه التوجيهات المُسَيسة، أو بالأحرى التعاطف مع الكائن الحي الذي نتقاسم معه الحياة. يكشف الأونلاين ما نفتقده في مدارسنا، وجوامعنا، وجامعاتنا، وإعلامنا، حين ألقت قبضة السياسة الدامية يدها عليها جميعها. يكشف أن هناك مناطق في أعماقنا تحتاج للمسة سحرية خفيفة لتخرج كل أثقالها، من غضب وألم وفرح ورغبات كُبتت على مدى دهر. ذاك الرجل الذي قال «هرمنا» في تونس كان يجب أن يكون عنوانا للثورات العربية، لكن اليد الخفية التي عبثت بكل تاريخنا اختارت البوعزيزي، بتغييب كامل ومُتعَمد لرأي المثقف والكاتب والفنان والمبدع والمبتكر.
بعد سنوات من هذه الثورات والفورات تخطى الكاتب السقف السياسي المفروض عليه، وكتب رأيه، وظهر على بلاتوهات التلفزيونات ليسجل موقفه، وتناقلت مواقع «السوشيال ميديا» آراءه المقتضبة، واتضح جليا، أن الكاتب لم يكن في مكانه طيلة عقود سابقة، لقد عاش تحت ظلال الجدران العالية، وخلف الأبواب المغلقة في وجهه، والنوافذ العصية على الفتح، كان موجودا وغير موجود في الوقت نفسه، يُمضغ في أفواه يسهل عليها أن تلوث معانيه، فتهدر دمه، وتحاكمه، وتنفيه من بين ذويه. لم يعد ذلك ممكنا اليوم.. يخرج الكاتب بشحمه ولحمه أمام جماهير العالم بكبسة زر، يقول الأشياء كما يريدها هو، يدافع عن نفسه ويهبّ جمهوره معه للدفاع عنه، ومهما حرض كارهوه للقضاء عليه، يبدو لي أن نصرة العقل هي الأكيدة.
نعم في الغالب أكون متفائلة، وهذا جزء من شخصيتي وتفكيري، لكن ظاهريا ألا يبدو هذا الطعم الهوياتي المتعدد الذي يمارسه الكاتب بتمثيله إعلاميا؟ وهل تعتقدون أن هذا الظهور تعرية له؟ أم أن للشاشة سرها في الاحتفاظ بألغاز كثيرة تحيلنا مباشرة على نتاجه المكتوب؟
أتذكر أن التشهير بكاتب عربي ـ بدون ذكر الأسماء ـ والدعوة لإهدار دمه عبر منبر تلفزيوني، كانت له نتائج معاكسة تماما للتوقعات، حين بعثت تلك الحملة المجنونة ضده كتابه من بين الأموات، وأنقذت دار نشره من الإفلاس، وأعادت الكتاب للواجهة بعد أن ردم سياسيا. كانت تلك تجربة، إشارة مهمة جدا إلى أن اغتيال الكتاب مهمة مستحيلة، وأننا على أبواب عصر جديد، سيعود فيه الكتاب للواجهة الإعلامية حتى وإن هُدد بالانقراض.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

قد يعجبك ايضا