طموح
بروين حبيب
يطمح كتاب كثر إلى ترجمة أعمالهم، معتقدين أن الترجمة ستوفر لهم قارئا جيدا في اللغة الأخرى، يركضون خلف هذا الهدف، وقد يَتَحقَّق لهم، لكن خيبة الأمل تأتي بعد نشر الترجمة، وفي هذا الصدد، أتذكر صديقا حكى لي أن شاعرا كبيرا جدا من شعراء العرب، زاره في أمريكا، فقاما بجولة على المكتبات حيث يقيم ويدرّس، ولاحظ أن الشاعر (ألف رحمة تنزل عليه) راح يبحث بين الرفوف عن كتبه المترجمة للإنكليزية، بعدها يسأل عن مدى مبيعات كتبه، لتأتيه الصدمة أن كتبه غير مطلوبة، وقد تتوفر نسخة في المكتبة، لكنها لا تباع إلا بعد سنة من عرضها، فحتى القارئ العربي الذي يعيش هناك لا يهمه في الغالب أن يقرأ شعرا لشاعر عربي، فطالما تشكلت لغته الأجنبية وأصبحت لغة تعامله اليومي، وثقافته، يصبح من الصعب أن تناديه لغة شاعر من بلاد العرب، محمّلة بكل المحبطات الاجتماعية والسياسية التي يعيشها المواطن العربي.
الحكاية نفسها تُحكى لي عن رواية حققت شهرة واسعة في العالم العربي، ولكن ترجمتها الإنكليزية فتحت النّار على متنها ومحتواها الروائي، بل أكثر من ذلك لحق مؤلفها توبيخ رفيع المستوى لم يتوقعه، ولدى مقارنة ما كتبته الصحافة العربية عنه، مع القليل مما كتبته بعض الصحف الغربية، نشعر وكأن النص المعني ليس نفسه، وإلاّ لما بدت الفوارق بين القراءات كبيرة إلى ذلك الحد.
صحيح من حق أي كاتب أن يطمح لتوسيع دائرة قرّائه، لكن هل يمكن للتّرجمة أن تفعل ذلك؟ حسب ما أعرفه وقرأته عن الموضوع لمن اهتموا به أمثال أستاذي صلاح فضل، والناقد صبري حافظ، والكاتب عبدو وازن وغيرهم، فإن الترجمة تنجح في حالات قليلة، ونقصد هنا الترجمة من العربية إلى لغات أجنبية، فقد نجح نجيب محفوظ بثلاثيته، حسبما ذكره صبري حافظ قائلا، «إن الأعمال الجيدة على الرغم من أن الإهتمام بها قد يغيب عنها لمدة طويلة، لكنها حين تترجم تلفت النظر والانتباه، والدليل على ذلك أن الثلاثية لنجيب محفوظ بيع من ترجمتها للإنكليزية أكثر من ربع مليون نسخة، وهذا أكثر مما بيع في الأصل العربي». يعود هذا الكلام إلى سنة 2004، حين أثير النقاش حول الرواية العربية وممكنات السرد في أحد الملتقيات المهمة، ولكن ماذا لو لم ينل نجيب محفوظ جائزة نوبل؟ تراه سيبلغ عتبة القارئ باللغة الإنكليزية ولغات أخرى؟ هذا بالنسبة لكاتب «نوبلي» إذن فما هو الوضع بالنسبة لكتّاب أقل شهرة؟
تعطي الإحصاءات أرقاما مخجلة أحيانا، فالكاتب العربي الذي يكتب باللغة الفرنسية قد ينجح، ويسجل حضورا مميزا بمتونه السردية، لكن بلغة فولتير، أما النص الذّاهب إلى فرنسا بلغته العربية، فهو أقل ما يقال عنه أنّه مهمّش، تقول إحصائيات تعود لعام 2007 إن أحد عشر عنوانا فقط نالت شرف ترجمتها للغة الفرنسية، يحظى 25 كتابا بالترجمة للغة الهولندية في السنة، و62 للغة الألمانية، فيما تتربع اللغة الإنكليزية على المرتبة الأولى بـ794 كتابا. فهل يمكننا أن نجيب عن الأسئلة التعجيزية التي يواجهها الكاتب نفسه، أمام أعمال تُختار وأخرى تُحرم من الترجمة؟
بالتأكيد يصعب على القارئ الأجنبي أن يستوعب هذه الإعاقة التي تحدُّ من حرية تعبيرنا، لكنه قد يحتاج لقراءة أدبنا من باب الفضول، ليعرف في أي مرحلة زمنية نعيش مقارنة مع زمنه.
حسب الأرقام التي ذكرتها وهي منشورة في عدد من المواقع المهتمة بالأدب المترجم من العربية للغات أخرى، فإن متطلبات السوق تفرض نفسها أيضا، لهذا وبعد عملية حسابية صغيرة، نجد الناشر الغربي لا يغامر بنص عربي لا يناسب قارئه، إلا إذا كان واثقا من أنه سيحقق أرباحا تغطي تكاليف الترجمة والطبع والنشر والتوزيع، ولا يدخل في مغامرة بتقديم اسم غير معروف للسوق الأوروبية، إلاّ حين يجد دعما ماديا من جهة ما، قد تكون في الغالب وزارة ثقافة، وهنا لب المشكلة، ونحن أخْبَر بكواليس وزاراتنا، وسيطرة العلاقات الخاصة على المصلحة الثقافية، تليها المماطلة في دفع حقوق الترجمة، إلى غيرها من الأمور التي نحفظها عن ظهر قلب. التقصير الأكبر يأتي منا على ما أعتقد، فنحن في بعض ردات فعلنا، عاطفيون أكثر مما يجب، غير عمليين في الأمور الجادة، ولنعد لنجيب محفوظ مرة أخرى، ونتذكر أن من حاربه أكثر بكثير من الذين شاركوه فرحة نوبل، مع أنه كان السبب الأول لانتباه الغرب للرواية العربية، وقد أطلق عليها عبدو وازن «مرحلة ما بعد جائزة محفوظ»، وهي فعلا كذلك، فبعد أن نالها الرجل ـ سواء استحقها أو استحقها غيره ـ تذكر الغرب أن عالم ألف ليلة وليلة لا يزال ينجب الروايات، وبعضها يستحق أن يترجم ويقرأ.
النقطة الأخرى التي يجب الإشارة إليها كنعرة من نعراتنا تتعلق بالأسماء العربية التي تقترح كل سنة من الإعلام العربي لجائزة نوبل، فتسحق سحقا بالانتقاد السلبي من طرف إعلامنا، وفي الغالب أيضا تكون تلك الانتقادات وليدة حساسيات، وتصفية حسابات شخصية، أو غيرة، فيما العبور للغة الآخر، يجب أن يكون بوزْن قضية وطن، ولا بد أن يكون حذرا ودقيقا، لكن السؤال الذي يبقى يطرح نفسه، لماذا «يتناحر» بعض الكتاب من أجل الترجمة؟ لماذا يهمهم القارئ في لغة أخرى؟ هل لشعور بالظلم لأن القارئ العربي لا يحترم الأدب بما يكفي؟ أم بحثا عن شهرة توهم هذا القارئ اللامبالي ليراجع نفسه؟
ألم يحدث فعلا أن راجعنا أنفسنا أمام نصوص لم نعطها أي اعتبار بمجرّد عبورها للضفة الأخرى؟ ألم يفعل محمد شكري ذلك، كنموذج نعرفه أكثر من غيره؟
في كل الحالات، فقد تتلمذنا على ترجمات الآداب الأجنبية، التي لا تزال تحقق نسبة مبيعات أعلى مما ننتجه نحن، وفي هذا سرٌّ مخيف، فكيف لذلك الأجنبي الذي يعيش في منظومة ثقافية مختلفة تماما عنّا، أن يكتب أدبا يلامسنا في الأعماق؟ ولعلّ الإجابة على هذا السؤال سهلة وبسيطة، ولكنها صادمة، فتلك الكتب التي تصلنا من خلف السور، يعبّر فيها أصحابها عن أنفسهم بصدق، تخرج اللغة من أعماقهم ساخنة، فيدلقونها مباشرة في قلوبنا، لا عائق يمنعهم من فعل ذلك، فيما تسيجنا العوائق الاجتماعية، والدينية، وأكثرها بؤسا، أن أغلب كتابنا يقبع في رؤوسهم ذلك القارئ الشرير الذي يحمل عصا العفة، ويمارس مهنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكيف نكتب أدبا إنسانيا ينساب إلى مواطن الوجع في أعمق أعماقنا ويمنحها لمسة الشفاء؟
بالتأكيد يصعب على القارئ الأجنبي أن يستوعب هذه الإعاقة التي تحدُّ من حرية تعبيرنا، لكنه قد يحتاج لقراءة أدبنا من باب الفضول، ليعرف في أي مرحلة زمنية نعيش مقارنة مع زمنه. غير ذلك، أعتقد أن تأخرنا في هذا المجال يعود لقلة خبرتنا فيه، فلحد الآن نحن نفتقر إلى وكلاء يقدمون أدبنا بشكل محترم ولائق لدور نشر أجنبية، لأن ترجمة أي عمل بدون توفر ناشر، مغامرة فاشلة، وهذه الفكرة وإن راودت البعض، إلاّ أنها لم تتحقق إلى يومنا هذا، مع أن بوادرها ظهرت منذ منتصف السبعينيات.
هل نحن بطيئون؟ نعم نحن كذلك. هل هناك أمل لنطوّر أنفسنا؟ نعم… في أمل، ما دام الطموح موجود.
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين