الصحف الإسرائيلية 9-4-2016
ايران تبحث عن التهديد الايراني التالي
بقلم: تسفي برئيل
يجب أن نتعود على معرفة اسم آيات الله ابراهيم أميني، الذي بدأ يتدحرج في أروقة السياسة الايرانية، حيث أنه قد يصبح رئيس المجلس المخول بتعيين وريث الزعيم الأعلى علي خامنئي. واذا كان هناك الآن ما يشغل السياسة الايرانية الداخلية فهو مجلس الخبراء: في الانتخابات التي جرت في شباط الماضي حصل ممثلو الجناح “المعتدل” في المجلس على الاغلبية. واثنان من اعضاء المجلس المتطرفين، هما محمد تقي مصباح ومحمد يزدي، لم يتم انتخابهما مجددا.
المجلس سيُعقد في الشهر القادم لانتخاب رئيس جديد. والسؤال المطروح الآن هو هل أميني الذي كان عدوا لدودا للرئيس السابق محمد أحمدي نجاد، سيوافق على تولي المنصب. المشكلة هي أن هذا الفقيه الديني الذي يعتبر معتدلا يبلغ الـ 91 من عمره. وهو أكبر من خامنئي المريض بـ 15 سنة. ويُشك أنه يرغب في الترشح لهذا المنصب الهام، الذي سيمنح من يجلس فيه قوة كبيرة في تقرير من سيكون وريث خامنئي بعد وفاته. واذا لم يرشح أميني نفسه، فعلى الاغلب سيكون الرئيس السابق علي اكبر هاشمي رفسنجاني هو الرئيس. واذا تطورت الامور على هذا النحو فان ايران تستطيع أن تتوقع انقلابا هاما في الساحة السياسية. لأن رفسنجاني لم يؤيد فقط الاتفاق النووي الذي تم التوقيع عليه في تموز الماضي، بل دفع ايضا لاجراء حوار مع الغرب وبما في ذلك مع الولايات المتحدة.
لكن رفسنجاني هو شخصية يوجد خلاف حولها. وقد نجح مؤخرا في الدخول الى صدام مع خامنئي بعد تغريدة في حسابه في تويتر جاء فيها “عالم الغد هو عالم حوار وليس عالم صواريخ”. هذه التغريدة التي جاءت في الوقت الذي تُظهر فيه ايران قدرتها البالستية، أزعجت خامنئي الذي قام بالرد بشكل فظ قائلا “من يزعم أن مستقبل ايران هو في الحوار وليس في الصواريخ، مخطيء. وهو إما غبي أو خائن”. صحيح أن رفسنجاني قد حذف هذه التغريدة، لكنه لم يتراجع عن الاقوال نفسها.
برنامج الصواريخ الايراني والتجارب البالستية التي أجرتها ايران مؤخرا، تحولت بعد الاتفاق النووي الى موضوع مقلق بالنسبة للغرب وتغضب القوى السياسية في ايران. يبدو أن برنامج الصواريخ قد استُبدل بالبرنامج النووي. تلك هي نقطة الخلاف بين الاصلاحيين الذين يطمحون الى تقوية الاقتصاد الايراني وبين المحافظيين ومنهم الزعيم الأعلى، حيث يعتقدون أنه يجب على ايران أن تصبح قوة عسكرية ليس فقط ضد التهديدات الاقليمية، بل ايضا ضد الولايات المتحدة. قائد حرس الثورة، علي الجعفري، أعلن في اللقاء السنوي للضباط الكبار أن “الموقف الذي يعتبر أن الاتفاق النووي هو الحل لجميع مشكلات ايران، موقف ساذج”. وأضاف “من ينشر صيغة الاتفاق داخل البيت الايراني ينحرف عن الطريق الحقيقية للثورة. فالاتفاق يمنح الحد الأدنى من الحقوق، ولا يجب تحويله الى مرحلة ذهبية في تاريخ ايران”.
وزير الدفاع الايراني، حسين دكان، اخترع الاسبوع الماضي اصطلاح “المرونة الاستراتيجية” كي يشرح الشكل الذي يتعين فيه على ايران ان تتصرف بعد الاتفاق النووي. فقد قال دكان ان “المرونة الاستراتيجية يجب أن تتحدى الاعداء كل الوقت. فهي تمنح التوازن بين استغلال الفرص والرد اللازم على التهديدات. وحسب هذه النظرية، فان تطوير برنامج الصواريخ، دون أن يذكر هذا صراحة سيكون بديلا رادعا عن البرنامج النووي وفي نفس الوقت لن يهدد تلك الفرص التي يوفرها الاتفاق النووي للجمهورية الاسلامية. ويوضح هذان التصريحان بان القوى المحافظة التي سعت الى عرقلة الاتفاق وانتقدت فريق المفاوضات الايراني سلمت بالواقع الجديد، ولكنها تنوي مواصلة وضع العراقيل في وجه تطلع روحاني ومؤيديه لجعل الاتفاق رافعة لتغيير السياسة الخارجية لطهران وصد التقرب الى الولايات المتحدة.
ان الاستراتيجية المتصلبة التي يتبنونها لا تنبع فقط من الايديولوجيا. فبعد الانتخابات للبرلمان ومجلس الخبراء، والتي حقق فيها الاصلاحيون انجازات هامة، بدأ المحافظون يستعدون لانتخابات الرئاسة التي تعقد في حزيران 2017، والتي سيتنافس فيها روحاني لولاية ثانية. هم ايضا قلقون من امكانية أن يتمكن مرض السرطان من الحاق الهزيمة حتى ذلك الحين بخامينئي، واذا ما انتخب زعيم أعلى يميل الى المعتدلين فهذه كفيلة بان تكون ضربة قاسية للمحافظين والمتطرفين، ومن هنا ضرورة بناء حواجز حماية سياسية. وعليه، فعندما يتحدث الجعفري عن أن “الاستعدادات العسكرية هي ضد اعمال عسكرية من شأنها أن تمس بنا وليس لاهداف سياسية او دبلوماسية”، فهو لا يوجه حديثه فقط الى الولايات المتحدة أو لزعماء دول الخليج – بل يؤشر الى الرئيس روحاني بان من الافضل له أن ينسى “استراتيجية الحوار”.
ان برنامج الصواريخ والتجارب الباليستية علقت في حلق روحاني الذي كان يريد أن يخرج الى حيز التنفيذ برامجه الاقتصادية، التي تصطدم بعقوبات لا ترتبط مباشرة بالاتفاق النووي بل ما وصفه الرئيس الامريكي براك اوباما بانه “انتهاك لروح الاتفاق”. وهو يقصد ان الصواريخ التي اطلقتها ايران قادرة على أن تحمل رؤوسا متفجرة نووية وهكذا تشير برأي اوباما الى نوايا ايران العسكرية. ويمنع هذا التفسير ايران من التجارة بالدولار، وذلك لان العقوبات التي لا تزال سارية المفعول تحظر على الدولة العمل عبر المنظومة البنكية الامريكية. ولما كانت كل صفقة بالدولار تستوجب اتصالا بالمنظومة الامريكية، فلا يمكن عقد صفقات من هذا النوع. ولهذا السبب لا يمكن لايران أن تنفذ صفقات بالدولار مع شركات خارج الولايات المتحدة، وذلك لان كل تبديل للعملة المحلية الى الدولار تمر عبر الولايات المتحدة. وهنا يتبين التضارب بين سياسة واشنطن بعد الاتفاق النووي والقيود التي وضعتها الادارة في الماضي.
يعتقد وزير الخارجية الامريكي، جون كيري، بانه يجب السماح لايران بالتجارة بالدولار بل والعمل مع المنظومة البنكية الامريكية، ولكن المحافظين في الكونغرس في واشنطن يحرصون على الا تمنح الادارة مزيدا من التنازلات لايران وتسمح لها بعقد الصفقات بالدولار. من ناحية طهران، هذا خرق للاتفاق النووي ودليل على سوء نية الولايات المتحدة. والاسوأ من ذلك هو أن هذه رصاصة في ساق روحاني، إذ أنه بينما يمكن للحرس الثوري ان يواصل التسلح بلا قيود تقريبا، فان برامج اعادة البناء الاقتصادي الايرانية بالذات كفيلة بان تعلق، ومن هنا قصير الطريق الى افشاله في الانتخابات للرئاسة. اوباما وكيري ليسا أعميين على هذا التطور الخطير، ولهذا فقد بادرا الى سلسلة استعراضات تقوم بها وزارة المالية في الولايات المتحدة للشركات ورجال الاعمال تشرح فيها كيف يتدبرون امورهم في متاهة العقوبات وكيف يمكن تجاوز بعضا من العوائق.
للصراعات السياسية في ايران ولحوارها الفظ مع الولايات المتحدة لا يوجد حاليا تأثير على حجم تدخل طهران في الساحات المختلفة في الشرق الاوسط. وكانت ايران اعلنت مؤخرا بانها ستبعث بمستشارين عسكريين الى سوريا، بعد أن كانت اغلبية قواتها قد خرجت منها، اغلب الظن على خلفية انسحاب القوات الروسية. وحسب الناطقة بلسان المنظمة الايرانية المعارضة، مريم رجاوي، فقد بعثت طهران بستين الف جندي لحسم المعركة، ولكن مشكوك جدا أن يكون لهذا المعطى اساس. كما أن ايران لا تزال تتدخل في ما يجري في اليمن، وهي تمول وتدرب الميليشيات الشيعية في العراق، الكفيلة بان تشارك في الحرب على تحرير مدينة الموصل من ايدي تنظيم الدولة الاسلامية داعش. ومع ذلك، فرغم تدخلها في الساحات المختلفة، فان ظهور ايران في العناوين الرئيسة آخذ في التقلص، ومكانتها كتهديد اقليمي على الاقل في وسائل الاعلام العربية – خارج السعودية – آخذة في التراجع.
هآرتس