الصحف الإسرائيلية 30-9-2016

وراء تفاؤله أخفى بيرس قناعة عميقة بانه ينتمي الى معسكر هزمه التاريخ بعد أن سادت نزعة التطرف القومي والتزمت الديني

بقلم: دافيد غروسمان
قبل 18 سنة، كجزء من برنامج تلفزيوني عن محطات حياة شمعون بيرس، اقترح علي أن آتي معه لزيارة في قرية مولده فيشنيبا في روسيا البيضاء. وصلنا الى بيت قروي غير كبير، معظمه من الخشب وله ساحة واسعة كان يتراكض الدجاج فيها. ورغم التحذيرات من شرب المياه من البئر في الساحة (“تشيرنوفيل سممت الارض”، شرح المحليون)، أنزل بيرس بيديه الدلو المربوط بسلسلة الى داخل البئر، نشله، صب الماء في وعاء من الصفيح وشرب بحماسة ماء صباه. بعد ذلك روى بانه كطفل كان متدينا وانه ذات مرة كسر جهاز الراديو لابيه لانه احب أن يشعله في السبت. سألته اذا كان ابوه ضربه في أي مرة.
“انا لم يضربني أحد”، قال بيرس بنوع من الفخر.
“لا احد؟”، سألت، “ماذا، الم تتعارك مع الاولاد في المدرسة، ألم تتعرض للضرب وانتم تلعبون؟”
“ولا مرة. لم يضربني أحد أبدا، وانا ايضا لم أضرب احدا”.
فكرت في حينه: هو، كشخصية عامة، ضرب وهوجم مرات لا تحصى، في وسائل الاعلام وفي الكنيست وفي الفضاء الجماهيري الاسرائيلي. وهو لم يعرف على جلدته التجربة الاولى التي يشهدها تقريبا كل طفل. فكرت بان هذا “مفتاح” ممكن، واحد من بين الكثير، لشخصيته، لشكل اتصاله في العالم. اتصال من هو مع كل مشاركته، ورغم انشغاله العاطفي والمفعم بالحماسة في الشقاق السياسي، كان في دوما أيضا نوعا من العزلة، لمن لا ينتمي ولا يكون “مقبولا” حتى النهاية.
“انتهى عصر”، يقول اليوم المؤبنون، بمن فيهم ايضا زعماء اليمين ممن نغصوا حياته وسخروا من “هذيانه عن السلام”. ولكن عصر بيرس، ورؤيا بيرس، انتهيا عمليا منذ قبل سنين، في منتصف التسعينيات، عندما اغتيل رابين، وفي واقع الامر قبل ذلك، عندما انهارت اتفاقات اوسلو.
“مجرمو اوسلو”، هتفوا له ولرابين في مظاهرات اليمين، والقوا عليهما بالمسؤولية عن نحو الف قتيل اسرائيلي في موجات الارهاب التي جاءت بعد انهيار الاتفاق. وكأنه لو لم يوقع الاتفاق لكان الفلسطينيون واصلوا العيش بخنوع وبتسليم سلبي تحت الاحتلال الاسرائيلي، حتى نهاية العالم.
ولعل الكراهية لبيرس في تلك السنين كانت ايضا بسبب حقيقة أنه- بحدة لسانه، بقدرته النادرة على بعث الامل، وفتح نافذة للمستقبل – نجح في دفع الاسرائيليين المتشككين، ممن خلفت الحروب الندوب فيهم، الى الايمان، ولو لزمن قصير فقط وبخلاف تام مع غرائزهم، بانه توجد على الاطلاق امكانية وجودية في أن يكون لهم مستقبل آخر، مستقبل سلام. وقد شعر الاسرائيليون وكأنهم وافقوا على السير وراء اغراء رؤيا “الشرق الاوسط الجديد” التي رسمها بيرس، خانوا مصير الحروب والكوارث، المصير الذي نحمله على جلدتنا على مدى كل تاريخنا المأساوي.
وعندما انهار اتفاق اوسلو، وخاب الامل الذي اتخذناه لاسفنا ولو للحظة، لم يغفروا له.
بيرس كان إنسانا كله بكليله يتجه نحو المستقبل. في دولة تجتذب عميقا أكثر فأكثر الى الرواية الاسطورية، الدينية، القبلية، كان هو من اولئك الذين توجهوا الى الكونية، الى العلم، الى العقلانية والى ديمقراطية المعرفة الحرة. كان من اولئك الذين يلقون على أنفسهم نوعا من المرسى الى مستقبل بعيد، غير مرئي، خيالي، طوباوي ومتفائل، ويبدأون بالقوة جذب أنفسهم اليه.
وهاكم مثال صغير على نمط تفكير وعمل بيرس: روى لي حين كان يقترب من التسعين فقال: “جئت الى بوتين وقلت له هكذا: بعد سنة تنتهي ملكية مصر على النيل. فقد انتهى مفعول الاتفاق التاريخي مع بريطانيا وفرنسا. وأثيوبيا تطالب منذ الان بالحصول على المياه، وهناك خطر لاشتعال حرب. تعال نذهب كلانا معا الى مرسي (الذي كان في حينه رئيس مصر) ونقول له هكذا: نحن، اسرائيل، يمكننا أن نعطيك ثلاثة نيلات! يوجد لدينا العلم والتكنولوجيا لمضاعفة مياه مصر!”. وواصل بيرس يقول ان “مرسي لن يستمع الي، ولكن انت، يا بوتين، سيستمع اليك. ولكننا لن نفعل هذا كمبادرة من الدولتين، فالدول باتت ماضي، بل سنأتي عبر الشركات الكبرى، فهي التي تدير العالم اليوم…”.
هكذا فكر وهكذا عمل كل حياته: الحاضر (الباعث على اليأس، الهزيل، والضحل) كان بالنسبة له مجرد عائق مؤقت محظور الاستسلام له. فالتنازل ببساطة لم يكن خيارا. اما تبطل نتنياهو عن الفعل في كل ما يتعلق باعادة تحريك المفاوضات مع الفلسطينيين، فقد أخرجه عن طوره. فقد كان نقيض طبيعته، التي دفعته بلا انقطاع الى الامام، في حركات من الابداع والاثمار والمبادرة.
بين الحين والاخر حين كنت أتحدث اليه، شعرت بما أخفاه علنا خلف تفاؤله الذي لا ينتهي – كم هو قلق في ضوء القومية المتطرفة والتزمت الذي يخلقه اليأس في اسرائيل. فقد كان يعرف – ولم يسلم بذلك حتى آخر ايامه – بانه ينشأ هنا واقع كارثي، للشعبين، وانه هو نفسه، بيرس، يوجد في المعسكر الذي هزمه التاريخ.
لقد فعل امورا عظيمة وفاخرة، ساهم مساهمة هائلة لدولة اسرائيل في مجالات الامن، الاقتصاد والعلم. ولكن في الشيء الذي اراد تحقيقه اكثر من أي شيء آخر – فشل: فهو لم ينجح في أن يحمل اسرائيل الى وضع سلام مع جيرانها. فدوما كان يخيل في لحظة الحسم، حين تكون حاجة الى خطوة شجاعة ومصممة حقا – لم يتجرأ بما يكفي، لم يعمل بالحزم الذي وعد به.
رجل تناقضات وتقلبات: فتى حلم بان يكون “راعي غنم وشاعر نجوم”، اصبح زعيم أمة تعيش معظم حياتها في حرب وسفك دماء. رجل ثقافة وتعليم واسع وقيم انسانية عميقة، على ضميره يربض موت – في 1995 – مئة لاجيء فلسطيني اصيبوا بقذيفة اسرائيلية اطلقت على كفر قانا في لبنان. سياسي، رفض على مدى السنين إقامة دولة فلسطينية، وأيد المستوطنات، تحول الى سياسي رمز اكثر من أي شخص آخر الى الاستعداد للحل الوسط مع الفلسطينيين والسعي الى السلام معهم. عديم الكوابح والمتلاعب في صراعاته مع خصومه، ولكنه شخص كانت فيه – ولا يكن الا يشعر المرء بها – عظمة حقيقية.
لا بد سيأتي الوقت لمحاولة فهم شخصيته بعمق. ربما بالذات المزايا التي جعلت منه شخصا على هذا القدر من التعقيد والتشويق، ردعت معظم الجمهور في اسرائيل من انتخابه كزعيم سياسي. اسحق رابين، الذي صارعه عشرات السنين، كان – معظم حياته – محبوبا اكثر على الاسرائيليين، مفهوما لهم اكثر، لغزه سهل عليهم. أما الشخصية المعقدة لبيرس فكانت هي التي منعت عنه الانتصار في الانتخابات بل ايضا الامر الذي ناله زعماء أقل كفاءة منه – محبة الجماهير.
لان بيرس، دوما، منذ بداية طريقه في السياسة، كان شخصا هاما، ولكن ليس محبوبا حقا. ليس شخصا من الجماعة، ليس من يعرف كيف يتحدث مع الاسرائيليين من القلب الى القلب، او للدقة – من القلب الى البطن. وعليه، فقد أحسنت له جدا سنواته الاخيرة في بيت الرئيس. فعندها، لاول مرة، نال محبة معظم الجمهور في اسرائيل، الاحساس بانه ها هو نجح في أن يجد مكانه في قلب اولئك الذين رأوا فيه دوما هاذيا، وغير مرة حتى خائنا.
هكذا سأتذكره: ذات مساء هاتفته لبيت الرئيس، كي أجنده لفكرة ما اعتقدت أنها ستثير اهتمامه. فسألني: “لماذا بالهاتف؟ هل انت متفرغ؟ تعال الى العشاء”.
بيت الرئيس كان مظلما في قسم منه، وبدا بيرس وحيدا وعجوزا بين حراسه الشبان. عندما دخلت الى غرفته وقف. واشعلت نظرته حياة: وعلى الفور بدأ بخطاب منفرد عن ضعف حكومات العالم اليوم، غير القادرة على حل أي مشكلة جوهرية، لا في الامن، لا مشكلة الارهاب ولا الاقتصاد. وبعد ذلك روى عن المشروع العلمي الجديد لـ “مركز بيرس للسلام”، الذي سيكون “المرحلة التالية في عالم الطب”: “نحن سنبدأ قريبا في الحصول على أدويتنا داخل الفاكهة! كل شيء سيكون هناك من أدوية وجع الرأس وحتى مضادات الشيخوخة!”. وانتقل الى الحديث عن نينو تكنولوجيا وعن ميدان القتال المستقبلي الذي ستظهر فيه أدوات الكترونية موجهة من بعيد؛ وتحدث عن “العدو الاكبر للديمقراطية في العالم العربي – الازواج الذين يحاولون منع المساواة عن نسائهم”، وعن الكتب الخمسة التي يقرأها الان، دفعة واحدة: واحدا منهم كان “خمسون ظلال للون القاتم”.
الوجبة نفسها كانت متواضعة، مثل الوجبة من عهد الكيبوتس: عجة مع فطر، سلطة خضار مقطعة دقيقا مع الجبن، صحونا من جبنة الكوتج، الخبز وكأسا من الخمر الاحمر أيضا. تحدث، وضحك. روى عن اللقاء التاريخي – الذي حضره بين بن غوريون وديغول. نظرت اليه وهو يتحدث: في السنوات التي تعرفت فيها عليه أحببته وقدرته جدا. وتناقضاته بالذات جعلته في نظري رجلا مثيرا للانفعال ويمس شغاف القلب. فكرت – هذا الرجل شهد تقريبا قرنا كاملا ماضيا، وبطريقته ترك عليه أثره. قليلون جدا من الناس ممن عاشوا حياة مليئة ومشوقه مثله. قلت له هذا. فأشاح بيده قائلا: “انا بدأت فقط”، ضحك. للحظة بدا سعيدا وكأنه صدق قوله.
يديعوت

قد يعجبك ايضا