تهلهل المجتمع الفلسطيني أمام غياب الإرادة الشعبية

بقلم: د. تيسير فتوح حجه  ….

الأمين العام لحركة عداله
يشهد المجتمع الفلسطيني في هذه المرحلة الدقيقة حالةً واضحة من التهلهل الداخلي، لا يمكن فصلها عن غياب الإرادة الشعبية الحقيقية، وتغييب دور المواطن عن التأثير في القرار العام. فالمجتمع الذي كان يومًا في طليعة الشعوب المكافحة، أصبح اليوم مثقلًا بالإحباط، مرهقًا بالفقر، ومكبّلًا بالصمت، بينما تتآكل القيم الجامعة لصالح الفردية واللامبالاة.
إن أخطر ما يواجه أي مجتمع تحت الاحتلال ليس فقط بطش المحتل، بل تفكك الجبهة الداخلية، حين يتحول الظلم إلى أمرٍ اعتيادي، ويصبح الفساد مقبولًا، والعجز مبرَّرًا، والصمت فضيلة. هنا يبدأ الانحدار الحقيقي، حيث تُكسر العلاقة بين الشعب ومؤسساته، وتُختزل الوطنية في الشعارات، وتُفرَّغ المقاومة من مضمونها الأخلاقي والاجتماعي.
غياب الإرادة الشعبية لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج سياسات ممنهجة لتهميش المواطن، وإقصائه عن المشاركة، وتحويله إلى متلقٍ للأزمات لا صانعٍ للحلول. لقد أُفرغت النقابات من دورها، وشُلّ العمل الجماهيري، وضُربت الحركات المطلبية، حتى بات المواطن يشعر أن صوته لا يُسمع، وأن كرامته مؤجلة، وأن العدالة رفاهية لا يستحقها الفقراء.
هذا الغياب انعكس تهلهلًا في البنية الاجتماعية: ارتفاع معدلات الفقر، تفشي البطالة، تآكل الطبقة الوسطى، تصاعد العنف المجتمعي، وانكفاء الشباب عن الشأن العام أو هجرته. كل ذلك يجري في ظل خطاب رسمي عاجز، يبرر الفشل بالظروف، ويطالب بالصبر دون أفق، ويُحمّل الشعب أعباءً لا طاقة له بها.
من هنا، تؤكد حركة عداله أن أي مشروع وطني لا يستند إلى إرادة شعبية حرة وفاعلة هو مشروع ناقص، بل وخطير. فالوطن لا يُدار بالوصاية، ولا تُصان كرامته بالقمع، ولا تُبنى دولته بتكميم الأفواه. العدالة الاجتماعية، وسيادة القانون، والمحاسبة، واحترام الإنسان الفلسطيني، ليست شعارات، بل شروط بقاء.
إن استعادة الإرادة الشعبية تبدأ بإعادة الاعتبار للمواطن، بفتح المجال العام، بإحياء دور النقابات والمؤسسات الأهلية، وبفصل السلطات، وبمحاربة الفساد بلا انتقائية، وبالوقوف إلى جانب الفئات المسحوقة: العمال، الموظفين، المتقاعدين، والأسر التي دفعتها السياسات الخاطئة إلى حافة الانفجار.
تؤمن حركة عداله أن المجتمع الفلسطيني ما زال يمتلك القدرة على النهوض، شرط كسر حاجز الخوف، واستعادة الوعي الجمعي، والانتقال من حالة التلقي إلى الفعل، ومن الصمت إلى المساءلة. فالشعوب لا تنهزم حين تُقهر، بل حين ترضى بالقهر.
إن التهلهل ليس قدرًا، وغياب الإرادة ليس صفةً أبدية. الإرادة تُصنع، والعدالة تُنتزع، والمجتمع الحي هو ذاك الذي يرفض أن يُدار ضده، ويصرّ على أن يكون شريكًا في تقرير مصيره، مهما طال الطريق.

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا