نتنياهو ومحاور الوهم: حين يتحول الخطاب إلى اعتراف مأزوم بالعجز السياسي

محي الدين غنيم  …..

في تصريح جديد يعكس حجم الارتباك داخل المشهد الإسرائيلي، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه يعمل على “تشكيل محور جديد” في مواجهة ما وصفه بـ“المحور الشيعي المنهار” و“المحور السني المتشكل”. تصريح يحمل في طياته قدراً كبيراً من التبسيط الدعائي، ومحاولة لإعادة هندسة الواقع الإقليمي وفق سردية سياسية تخدم مأزقا داخليا أكثر مما تعكس توازنا حقيقياً في المنطقة.
إن الحديث عن “انهيار” ما يُسمى بالمحور الشيعي لا يستند إلى قراءة موضوعية لموازين القوى، بل إلى رغبة سياسية في تصوير الخصوم بحالة تفكك شامل. صحيح أن هذا المحور يواجه تحديات داخلية وإقليمية، لكنه ما زال يمتلك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية ممتدة من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق وصنعاء.
التحولات لا تعني الانهيار، والتراجع التكتيكي لا يعني السقوط الاستراتيجي. ومن الخطأ السياسي الفادح أن تُبنى الاستراتيجيات على قراءة رغبوية للواقع بدلاً من قراءة واقعية له.
أما الحديث عن “محور سني متشكل”، فهو بدوره توصيف تبسيطي لواقع عربي معقد. الدول العربية لا تتحرك وفق اعتبارات مذهبية بحتة، بل وفق مصالح وطنية وأمن قومي وحسابات سياسية واقتصادية دقيقة.
محاولة تصنيف المنطقة في ثنائية “شيعي مقابل سني” تعكس رؤية تقسيمية قديمة، أثبتت التجربة أنها لم تجلب سوى مزيد من الفوضى. المنطقة اليوم تبحث عن استقرار وتنمية، لا عن اصطفافات مذهبية جديدة.
وإذا كان نتنياهو يتحدث عن محور جديد، فالسؤال الجوهري:
هل الهدف تعزيز الأمن الجماعي أم إعادة إنتاج سياسة الاستقطاب الدائم؟
التاريخ القريب يُظهر أن سياسات بناء المحاور الصدامية لم تؤدِّ إلى استقرار مستدام، بل إلى دورات متكررة من التصعيد. المنطقة لا تحتاج إلى “محور ضد محور”، بل إلى مقاربة تقوم على احترام سيادة الدول، والاحتكام إلى قواعد القانون الدولي، وعدم فرض وقائع بالقوة.
ولا يمكن فصل هذه التصريحات عن السياق الداخلي الإسرائيلي، حيث يواجه نتنياهو ضغوطاً سياسية وقضائية غير مسبوقة. في مثل هذه الظروف، غالباً ما يُستخدم الخطاب الخارجي الحاد كأداة لتوحيد الداخل وصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية.
حين يصل الخطاب إلى حد إعادة رسم خرائط المحاور على أسس مذهبية، فإن ذلك لا يعكس قوة استراتيجية بقدر ما يعكس ارتباكاً سياسياً واضحاً.
إن المنطقة ليست رقعة شطرنج تُعاد هندستها وفق رغبات خطابية. الحديث عن انهيارات ومحاور جديدة قد يكون مفيداً في تعبئة الجمهور، لكنه لا يصمد أمام اختبار الواقع.
المحاور لا تُبنى بالشعارات، ولا تنهار بالتصريحات.
والسياسة الرشيدة لا تقوم على تقسيم المنطقة إلى معسكرات مذهبية، بل على الاعتراف بتعقيدها والسعي إلى توازنات تحترم مصالح جميع الأطراف.
أما المبالغة في تصوير الخصوم كمنهارين، والسعي إلى تشكيل جبهات صدامية جديدة، فقد لا يكون سوى مؤشر على أن من يطلق هذه التصريحات هو من يعيش مأزقاً سياسياً حقيقياً، يحاول تغطيته بضجيج المحاور.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا