نرجسية الرأي وضياع البوصلة: في نقد غياب أدب الاختلاف

بقلم: د. منى النحلاوي  …..

 

في مشهدٍ تناقلته منصات التواصل الاجتماعي، تحوّل نقاش داخل مجلس يُفترض أنه يُشرّع القوانين وينظم شؤون الناس إلى جدلٍ محتدم ارتفعت فيه الأصوات وتداخلت المقاطعات، وغابت لغة الحجة الرصينة. لم يكن الخلاف حول قضية هامشية، بل حول ملفات تمسّ حياة المواطنين مباشرة. غير أن المشهد بدا أقرب إلى استعراض للقوة الشخصية منه إلى حوار مؤسسي يبحث عن المصلحة العامة. لم تكن تلك الواقعة استثناءً، بل مؤشرًا على أزمة أعمق: حين يغيب أدب الاختلاف، تضيع البوصلة، ويتحوّل الرأي من أداة بناء إلى وسيلة إقصاء.

كان يُفترض بالعصر الرقمي والانفتاح المعرفي أن يعززا ثقافة التفاهم وتقبّل التنوع، غير أن الواقع يكشف تصاعدًا مقلقًا في حدة الاستقطاب ورفض الرأي الآخر. لم يعد الاختلاف في وجهات النظر مساحة للنقاش المنتج، بل أصبح في كثير من الأحيان ساحة صراع تُغذّي الانقسامات الفكرية والدينية والسياسية.

اللافت أن هذه الظاهرة لا تقتصر على العامة، بل تظهر بوضوح داخل دوائر يُفترض أنها أكثر وعيًا وانفتاحًا. فبعض النخب الأكاديمية أو الثقافية تقع في ما يمكن تسميته بـ”الاستعلاء المعرفي”، حيث يتحول الرصيد العلمي إلى حصانة نفسية ضد الخطأ، ويُنظر إلى أي اختلاف باعتباره مساسًا بالهيبة الشخصية لا إثراءً للفكرة. وهنا تتبدل وظيفة الحوار من تبادل للمعرفة إلى محاكمة للآخر.

تتجذر الأزمة كذلك في أنماط اجتماعية تربط بين “قوة الشخصية” والقدرة على فرض الرأي، فتُصوَّر المرونة على أنها ضعف، والتراجع أمام الحجة الأقوى على أنه انتقاص من المكانة. هذا الفهم المشوّه يتغذّى من أنظمة تعليمية ما زالت تميل إلى تكريس “الإجابة الصحيحة الوحيدة”، بدل تنمية مهارات التفكير النقدي والبحث التشاركي عن الحقيقة من زوايا متعددة.

أما وسائل التواصل الاجتماعي، فقد عمّقت هذا الخلل عبر خلق “خنادق رقمية” يحيط فيها الأفراد أنفسهم بمن يشبهونهم فكريًا، مما يعزز الانحياز التأكيدي ويُضعف القدرة على تقبّل الاختلاف. ومع غياب المساءلة المباشرة في الفضاء الرقمي، يسهل الانزلاق إلى التخوين والاتهام والتجريح، فتتحول الاختلافات الطبيعية إلى صراعات تهدد النسيج الاجتماعي.

إن استعادة أدب الاختلاف لم تعد خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة حضارية. فالرقي الحقيقي لأي مجتمع لا يُقاس بوفرة شهاداته ولا بضخامة موارده، بل بقدرته على إدارة التعددية بوعي واحترام. والحوار الرصين هو الضمانة الوحيدة لتجنّب الانقسام، وهو الطريق لبناء مجتمع يتسع للاختلاف دون أن يتفكك بسببه.

الكاتبة أردنية

تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

قد يعجبك ايضا