🌛*خواطر رمضانية* 🌙 الخاطرة رقم (4)
د. أحمد العرامي …..
🌛*خواطر رمضانية* 🌙
الخاطرة رقم (4)
*المرحلة الرابعة من نشأة الصهيونية: تنفيذ المشاريع الصهيونية (1902م-2026م)*
عندما التقى مؤسس الحركة الصهيونية “ثيودور هيرتزل” عام 1902م برئيس الوزراء البريطاني جوزيف تشمبرلن سنة 1902، قال له “هرتزل”: إن قاعدتنا يجب أن تكون في فلسطين التي يمكن أن تكون “دولة حاجزة” بحيث تؤمن المصالح البريطانية”
استند إلى وثيقة كامبل العشرات من الكتاب والباحثين منذ أواسط القرن العشرين، والتي يعدونها أساسًا لفهم خلفيات إنشاء مشروع يهودي صهيوني في فلسطين لدى القوى الإمبريالية الغربية.
الوثيقة تنص -كما جاء في الجزء الأول من “ملف وثائق فلسطين” الصادر عن الهيئة العامة للاستعلامات في وزارة الثقافة والإرشاد القومي بمصر سنة 1969 صفحة 121- على عقد “مؤتمر لندن الاستعماري” سرًا بلندن في الفترة 1905-1907 بدعوة من حزب المحافظين البريطاني.
“خبراء الغرب” وجدوا أن في إنشاء كيان (هو الكيان اليهودي) في غربي البحر المتوسط وسيلة لإيجاد قلعة متقدمة ترعى المصالح الغربية، وتضمن ضعف المنطقة، وهو ما حدث ويحدث فعلًا.
اشترك في المؤتمر مجموعة من كبار علماء التاريخ والاجتماع والجغرافيا والزراعة والبترول والاقتصاد، وتم الرفع بتوصياته سنة 1907 إلى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك “هنري كامبل بنرمان” (Campbell Bannerman Henry)، حيث أكد المؤتمرون على:
“إن إقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر البري الذي يربط أوروبا بالعالم القديم، ويربطهما معًا بالبحر الأبيض المتوسط، بحيث يشكل -في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس- قوة عدوة لشعب المنطقة وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها، هو التنفيذ العملي العاجل للوسائل والسبل المقترحة”.
وهذا يعني أن “خبراء الغرب” وجدوا في إنشاء كيان (هو الكيان اليهودي الصهيوني لاحقًا) في شرق البحر المتوسط (وخصوصًا فلسطين) وسيلة لإيجاد قلعة متقدمة ترعى المصالح الغربية، وتضمن ضعف المنطقة وتمنع وحدتها، وهو ما حدث ويحدث فعلًا.
حاول البعض إنكار عقد المؤتمر وقد ذكر الدكتور أنيس صايغ أنه عندما تولى رئاسة مركز الأبحاث حرص على الوصول لوثيقة كامبل، لكنه لم يعثر على مصدر واحد موثق لها في عشرات المراجع والكتب التي أشارت إليها، والعديد منها لكتّاب موثوقين أمثال برهان الدجاني ومنذر عنبتاوي وخيري حماد وشفيق أرشيدات؛ حيث ظهر أن كل كاتب كان يحيل إلى الآخر في دوامة أو حلقة مُفرغة دونما نتيجة.
ولذلك فقد قرر د. أنيس التفرغ للبحث عنها -في بريطانيا– شهرًا كاملًا قضاه في دار الوثائق البريطانية، ومكتبة المتحف البريطاني، وجامعة كامبردج حيث درس “كامبل بنرمان” وأودع في مكتباتها كل أوراقه الخاصة. كما انكبّ د. أنيس على فهارس جريدة التايمز في الفترة 1904-1907 فوجد فيها آلاف الإشارات إلى المؤتمر الإمبريالي، ولكنه لم يجد شيئًا عن الوثيقة نفسها.
وبعد عودته إلى بيروت أتيح له أن يعرف أن أول عربي أشار إلى وثيقة كامبل في كتاب منشور هو أنطون كنعان، فذهب إلى مصر حيث يقيم أنطون والتقى به بعد بحث وجهد، أخبره أنه عندما سافر من فلسطين إلى لندن لدراسة القانون في أواسط الأربعينيات التقى في الطائرة رجلًا هنديًا كان يجلس إلى جانبه، وقال له إنه يتذكر أنه قرأ عن مؤتمر إمبريالي عُقد في لندن حضره مندوبون عن عدة دول إمبريالية للتباحث في تقسيم البلاد العربية ومنع وحدتها وإقامة دولة يهودية، ولكن الهندي لم يزود كنعان بأي مادة علمية موثقة حول الوثيقة.
ونخلص إلى الآتي:
1- إن انعقاد مؤتمرات إمبريالية في تلك الفترة كان أمرًا صحيحًا وحقيقيًا، وتوجد في الوثائق البريطانية مئات الملفات والوثائق والشواهد حولها، غير أن نص الوثيقة المسماة “وثيقة كامبل بنرمان” غير موجود بين هذه الوثائق.
2- إن عدم الحصول على “وثيقة كامبل” لا يثبت بالضرورة أنها غير موجودة بالصيغة نفسها.
3- من المهم معرفة أنه يتم تقسيم الوثائق البريطانية إلى أقسام: قسم يتم نشره، حيث يُنشر معظمه بعد ثلاثين سنة، ويؤجل بعضه إلى خمسين أو خمسة وسبعين أو حتى مئة سنة، وقسم يُحفظ دون قرار بنشره وقسم يتم إتلافه.
4- إن الاحتلال البريطاني والقوى الاستكبارية هي بشكل عام من الذكاء والخبرة والحذر بحيث لا تضع وثائق كهذه بين أيدي الباحثين، بسبب ما تتضمنه من أدلة إدانة قاطعة. وفي بعض الأحيان يكون هذا النوع من التوجهات والتوجيهات والقرارات شفويًا أو غير مكتوب في نصوص موثقة، أو غير قابل للنشر والتداول، كما تفعل دول عديدة في وقتنا المعاصر.
5- مسار الأحداث على أرض الواقع يدعم مضمون “وثيقة كامبل”، فقد تمّ إصدار “وعد بلفور” سنة 1917، وأصرَّت بريطانيا على أن تتولى بنفسها رعاية ونمو وتطور المشروع الصهيوني في فلسطين وإنشاء دولة يهودية، وقمعت إرادة الشعب الفلسطيني وسحقت ثوراته طوال ثلاثين عامًا (1917-1948) إلى أن اكتملت البنى التحتية “للدولة اليهودية” عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وإداريًا.
وزرع في سنة 1948 كيانٌ صهيوني (إسرائيل) في قلب الأمة العربية والإسلامية، وهو كيان -من الناحية العملية على الأقل- يرتبط شرط بقائه وازدهاره بضعف وانقسام وتخلّف ما حوله؛ لأن المشاريع النهضوية الوحدوية الحقيقية التي تعبِّر عن إرادة شعوب المنطقة والأمة، هي بطبيعتها معادية وتُشكّل خطرًا وجوديًا على الكيان الصهيوني، الذي اغتصب قلب المنطقة العربية والإسلامية (فلسطين) وشرَّد أهلها.
6- إن ثمة وثائق وكتابات تشير إلى مضامين وسياقات قريبة أو داعمة لمعطيات وثيقة كامبل بنرمان فعندما التقى مؤسس الحركة الصهيونية “ثيودور هيرتزل” برئيس الوزراء البريطاني “جوزيف تشمبرلن” سنة 1902، قال له “هرتزل”: إن قاعدتنا يجب أن تكون في فلسطين التي يمكن أن تكون “دولة حاجزة” بحيث تؤمن المصالح البريطانية.
وبعد “مؤتمر كامبل” سافر “حاييم وايزمن” عام إلى فلسطين ليؤسس شركة تطوير عقارية بدعم من عائلة “روتشيلد”
فقد كانت الحركة الصهيونية تدرك أن مشروعها لن يكتب له النجاح إلا برعاية دولة كبرى وحمايتها، وكان عليها أن تعرضه في ضوء المصالح التي يمكن أن تجنيها القوى الكبرى.
وفي أثناء الحرب العالمية الأولى ظهرت كتابات لشخصيات بريطانية غير يهودية مثل “تشارلز سكوت” C. Scott (رئيس تحرير جريدة مانشستر غاردين) “وهربرت سايدبوتام” H. Sidebotham الذي كانت لمقالاته شهرة واسعة، ودعا إلى إيجاد دولة حاجزة في فلسطين مدَّعيًا أن العنصر الوحيد المناسب لإقامتها هو اليهود.
وبشكل عام؛ فإن العامل الإستراتيجي كان سببًا رئيسيًا في ذهن من اتخذوا قرار إصدار “وعد بلفور” (كنقطة اتصال ومواصلات، وكمنطقة حاجزة، وكقاعدة متقدمة…)، ونجد مثل هذه الإشارات الإستراتيجية في تصريحات “لويد جورج” رئيس الوزراء، و”اللورد كيرزون” (الذي خلف بلفور في منصبه)… وغيرهم.
كما أن “هربرت صمويل” -اليهودي الصهيوني والوزير في الحكومة البريطانية التي كان يرأسها “أسكويث” H. Asquith- قدَّم مذكرة سرية للحكومة البريطانية في يناير/كانون الثاني 1915، طالب فيها باحتلال فلسطين وفتح باب الهجرة والاستيطان لليهود ليصبحوا أغلبية السكان، مشيرًا إلى المزايا الإستراتيجية للسيطرة على فلسطين.
في عام 1915 قدمت لمجلس الوزراء البريطاني مذكرة سرية بعنوان: مستقبل فلسطين، كتبها أول صهيونيّ يهودي يصل لمنصب وزير بريطاني “هيربرت صموئيل”، جاء في الوثيقة:
“الوقت الحاضر ليس مناسبًا لإنشاء دوله يهودية مستقلة؛ لذا يجب أن توضع فلسطين بعد الحرب تحت السيطرة البريطانية؛ لتعطي تسهيلات للمنظمات اليهودية لشراء الأراضي، وإقامة المستعمرات، وتنظيم الهجرة، وعلينا أن نزرع بين المحمديين ثلاثة إلى أربعة ملايين يهودي أوروبي”
تم الأخذ بتوصية “صموئيل” عام 1916م في الاتفاقية السرية التي جمعت بريطانيا وفرنسا لتقسيم سوريا الكبرى، عرفت الاتفاقية باسم مهندسيها، البريطاني “مارك سايكس”، والفرنسي “جورج بيكو”، وضعت اتفاقية “سايكس بيكو” فلسطين تحت سيادة مشتركة للحلفاء لإعدادها للدولة اليهودية.
بعد عام واحد وتحديدًا 2نوفمبر1917 وافق مجلس الوزراء البريطاني برئاسة “ديفد لويد جورج” على إصدار وعد بريطاني لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، كتب الوعد على صيغة رسالة وزير الخارجية “آرثر بلفور” إلى اللورد الصهيوني “ليونيل ولتر روتشيلد”، حيث كان “بلفور” يكتب رسالته باسم الحكومة البريطانية.
أطلق هذا الاسم وزير الخارجية البريطاني “آرثر بلفور” إلى اللورد “روتشيلد” أحد قادة ومؤسسي الحركة الصهيونية العالمية، على تلك الرسالة التي أبرقها “بلفور” عام 1917 التي عرفت بوعد “بلفور” والتي تضمنت وعدًا رسميًا بتعهد الحكومة البريطانية بإقامة دولة لليهود على أرض فلسطين.
وعد “بلفور” لم يكن وليد تلك اللحظة بل جاء تتويجًا لعمل مشترك بين الساسة الأوروبيين ويهود أوروبا اعتمد على التخطيط الذي استمر لأكثر من 120 عامًا منذ محاولات “نابليون” عام 1799 وحتى صدور الوعد المشؤوم عام 1917.
وعند الحديث عن فلسطين ونكبتها، لا يمكن لأي باحث أن يتجاهل الجهد التوثيقي الكبير الذي بذلته الإعلامية “روان الضامن” في سلسلتها الوثائقية التي حملت عنوان “النكبة” والمتألفة من أربعة أجزاء أولها “خيوط المؤامرة”، والذي يتناول المؤامرة على فلسطين ويكشف بأسلوب شيق ودقيق معلومات عن مراحل عمل يهود أوروبا منذ عهد “نابليون” وحتى حصولهم على وعد “بلفور”.
الكاتب من اليمن