طهران.. صمودُ السيادة وتفوق الدبلوماسية الإيرانية
نبيل الجمل …..
في ظل المتغيرات المتسارعة التي تعصف بالمنطقة، يبرز صمود الجمهورية الإسلامية الإيرانية كعامل استقرار وحيد يرفض الانصياع لمنطق القوة والهيمنة الإستكبارية التي تحاول الإدارة الأمريكية الحالية فرضه من خلال لغة التهديد والتحشيد العسكري. إن المتابع لمسار المفاوضات التي تنطلق في جنيف يدرك تماماً أن طهران لا تفاوض من موقع ضعف، بل من منطلق السيادة الوطنية والحقوق المشروعة التي كفلتها المعاهدات الدولية، وفي مقدمتها الحق في التكنولوجيا النووية السلمية.
لقد أثبتت الدبلوماسية الإيرانية،بفريق المفاوضين، حنكة عالية في إدارة الأزمة؛ فهي إذ تفتح أبواب الحوار في جنيف ومسقط، فإنها تفعل ذلك بوضوح أخلاقي وسياسي يضع العالم أمام مسؤولياته. فبينما تلوح واشنطن بـ “الخيارات العسكرية” والمهل الزمنية الضيقة، وتدفع بأساطيلها إلى مياه الخليج في محاولة مكشوفة لابتزاز القرار السيادي الإيراني، تتقدم طهران بمبادرات عملية ومسودات تقنية تبرهن على صدق نواياها في الوصول إلى تسوية عادلة تحترم حقوق شعوب المنطقة في التطور والاستقلال.
إن الإصرار الإيراني على رفض “التخصيب الصفر” ليس مجرد تعنت تقني، بل هو تمسك برمزية الاستقلال القومي؛ فالشعب الإيراني الذي صمد أمام عقود من العقوبات الظالمة “والضغوطات” لن يقبل بأي اتفاق يسلب منه منجزاته العلمية أو يرهن قراره الوطني لإملاءات خارجية. إن المقترحات الإيرانية الأخيرة، التي تتحدث عن رقابة دولية صارمة مقابل رفع كامل وشامل للعقوبات، تمثل مخرجاً واقعياً للأزمة إذا ما توفرت “الإرادة السياسية” لدى البيت الأبيض، وتوقفت واشنطن عن استخدام لغة “الاستسلام” التي لم ولن تجد لها صدى في القاموس السياسي الإيراني.
علاوة على ذلك، يظهر التلاحم بين القيادة العليا في إيران والجهاز الدبلوماسي، مدعوماً بجاهزية عسكرية دفاعية واضحة، أن أي مغامرة عسكرية أمريكية لن تكون نزهة، بل ستشعل فتيل مواجهة لا تخدم أحداً في العالم. إن الرسالة الإيرانية الواضحة بأن “الرد سيكون مشروعاً وموجعاً ضد أي اعتداء” هي التي تفرض اليوم على الإدارة الأمريكية التفكير ملياً والجلوس إلى طاولة المفاوضات.
في الختام، يظل الرهان اليوم على وعي المجتمع الدولي بأن إيران تمثل طرفاً يسعى لسلام الشجعان لا لسلام المنهزمين. وهذا نجاح إيران في المفاوضات وكذلك مرهون بمدى قدرة واشنطن على التخلي عن عقلية “إدارة الأزمات بالقوة” والاعتراف بالحقوق القانونية لإيران، وهي الحقوق التي دافعت عنها طهران بكل شموخ ومسؤولية، مبرهنة من جديد أنها رقم صعب لا يمكن تجاوزه في معادلة الاستقرار العالمي.
الكاتب من اليمن