الفصائل الفلسطينية من فدائيي خنادق إلى موظفي مكاتب

بقلم د. تيسير فتوح حجة  …..

الأمين العام لـ حركة عدالة
لم تكن الفصائل الفلسطينية يومًا مجرد أطر تنظيمية أو عناوين سياسية تتزاحم على شاشات الفضائيات، بل وُلدت من رحم المعاناة، وتشكّلت في ساحات المواجهة، وسكنت خنادق الثورة حيث كان الفدائي عنوان المرحلة وصوت الرصاص لغة الخطاب. هناك، في ميادين الاشتباك، كان القرار يُصاغ بعرق المناضلين ودماء الشهداء، وكانت البوصلة تتجه نحو فلسطين دون حسابات مكاتب أو اشتراطات ممولين.
لكن المشهد تبدّل.
تحوّلت كثير من الفصائل من حالة الاشتباك الوطني إلى حالة الاشتباك الوظيفي، ومن روح المبادرة إلى عقلية الانتظار، ومن قيادة الشارع إلى إدارة المكاتب. أصبح الهمّ الإداري يطغى على الفعل الثوري، وصار الحفاظ على الموقع أولوية تتقدّم على استعادة الدور. تراجع الخطاب التعبوي، وخفت وهج الحضور الجماهيري، وغابت الرؤية الجامعة التي توحّد الطاقات وتستنهض الشارع الفلسطيني.
إن الخطر لا يكمن في التنظيم بحد ذاته، ولا في العمل المؤسسي، فالدولة تحتاج إلى مؤسسات، والنضال يحتاج إلى إدارة. لكن الكارثة حين تتحوّل المؤسسة إلى غاية بحد ذاتها، ويتحوّل المناضل إلى موظف ينتظر الراتب، ويتراجع مفهوم التضحية أمام حسابات المكاسب الضيقة.
لقد أصاب الترهل بنيتنا الوطنية نتيجة الانقسام، وتضارب المصالح، وغياب المشروع الجامع. ولم يعد مقبولًا أن تبقى الفصائل أسيرة بيانات الشجب والاستنكار، بينما الأرض تُنهب، والحقوق تُصادر، والإنسان الفلسطيني يُترك وحيدًا في مواجهة واقعه القاسي.
إننا في حركة عدالة نرى أن المرحلة تتطلب مراجعة وطنية شاملة، تعيد الاعتبار لدور الفصائل كحاضنة للنضال لا كإدارات بيروقراطية. المطلوب إعادة ضخّ روح الفداء، وتجديد القيادات عبر صناديق الاقتراع، وتوحيد الصفوف على برنامج وطني ديمقراطي يعيد الاعتبار للشعب مصدرًا للشرعية، لا تابعًا لقرارات فوقية.
الفصائل لم تُخلق لتكون مكاتب مغلقة، بل لتكون جسورًا بين القيادة والناس، وحارسة للثوابت، ومحرّكًا للفعل الشعبي. إن استعادة ثقة الجماهير لن تتحقق بالشعارات، بل بالفعل، وبالانحياز الحقيقي لهموم الناس اليومية، وبالاشتباك السياسي والقانوني والدبلوماسي مع كل ما ينتقص من حقوق شعبنا.
من خنادق الفداء خرجت الثورة، ومن رحم الشعب تتجدد الشرعية.
فإما أن تعود الفصائل إلى دورها الطبيعي كقائدة لمشروع التحرر الوطني،
وإما أن يكتب الشعب فصلًا جديدًا بأدوات جديدة، لا مكان فيها لمن استبدل البندقية بختم المكتب، ولا الميدان بكرسي الإدارة.

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا