خور عبدالله… هل يُدفع العراق والكويت مرة أخرى نحو الفخ الذي دمّر الأمة عام 1990؟

محي الدين غنيم  ….

ما يحدث اليوم بين العراق والكويت ليس مجرد خلاف حدودي عابر، بل جرس إنذار خطير يقرع في منطقة تعرف جيداً كيف تبدأ الكوارث… وكيف يصعب إيقافها بعد اشتعالها.
الخلاف حول خور عبدالله خرج سريعاً من إطاره القانوني إلى ساحة أخطر: ساحة الشارع الغاضب والتحريض الإلكتروني. خلال أيام قليلة فقط، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى جبهات مواجهة نفسية بين شعبين شقيقين، تُستحضر فيها لغة التخوين والاتهام وذاكرة الغزو والحصار وكأن التاريخ لم يكن درسا بل مخزونا جاهزاً لإعادة الانفجار.
المشكلة الحقيقية ليست في الخور، بل في المناخ الذي يُصنع حوله. فحين يبدأ الرأي العام بالاقتناع أن الطرف الآخر “سرق الحقوق” أو “يهدد السيادة”، تصبح أي تسوية سياسية خيانة في نظر الجماهير، ويُدفع صانع القرار نحو الزاوية الأخطر والأكثر إثارة للقلق أن بعض الدول العربية تخلت عن موقع الوسيط المتوازن واتجهت إلى اصطفافات غير معلنة وهو خطأ استراتيجي جسيم. لأن الانحياز في نزاع بين دولتين عربيتين لا يحل الأزمة، بل يحولها إلى صراع محاور، وهو تماماً ما تحتاجه القوى الدولية لإعادة فرض حضورها الأمني والسياسي في الخليج.
والتاريخ لا ينسى. ففي عام 1990 سبقت الكارثة رسائل دولية ملتبسة وتقديرات سياسية خاطئة وشحن إعلامي متبادل. النتيجة لم تكن سقوط الكويت وحدها تحت الاحتلال، بل انهيار العراق لعقود، وتمركزا عسكريا أجنبيا دائماً في المنطقة ما تزال آثاره قائمة حتى اليوم.
السؤال الصادم الذي يجب أن يُطرح بوضوح:
هل يُعاد اليوم إنتاج المناخ نفسه ولكن بأدوات جديدة؟
لا أحد يتحدث عن حرب، لكن الأخطر من الحرب أحياناً هو دفع الأطراف تدريجياً نحو أزمة لا يستطيع أي طرف التراجع عنها دون خسارة هيبته الداخلية. وعندما تصل الدول إلى مرحلة “لا يمكن التراجع”، تبدأ الأخطاء الكبرى.
العراق اليوم يبحث عن منفذ اقتصادي وسيادي يعيد له مكانته البحرية عبر مشاريع استراتيجية كبرى، والكويت تبحث عن حماية حدودها واستقرارها الأمني. المصالح هنا ليست متناقضة كما يُصوَّر، بل قابلة للتكامل إذا غابت المزايدات السياسية.
لكن استمرار التحريض الشعبي قد يحول الخلاف الفني إلى صراع نفسي طويل، يزرع الشك بين شعبين تجمعهما الجغرافيا والمصير ويمنح القوى الكبرى فرصة ذهبية لإدارة الأزمة بدلاً من حلها.
الحقيقة التي يجب قولها بشجاعة: لا العراق قادر على تحمل أزمة جديدة، ولا الكويت مستفيدة من عراق مضطرب، ولا الخليج يحتمل شرخاً عربياً إضافياً.
الحل لا يكون عبر الشعارات الوطنية المرتفعة، بل عبر شجاعة التهدئة:
إيقاف التحريض الإعلامي فوراً.
إعادة الملف إلى الخبراء والقانون الدولي بعيداً عن الشارع.
إطلاق وساطة عربية حقيقية تمنع تدويل الخلاف.
وتحويل خور عبدالله من خط نزاع إلى منطقة شراكة اقتصادية مشتركة.
لأن أخطر الحروب ليست تلك التي تُعلن… بل تلك التي تبدأ بالكلمات والغضب وسوء الفهم.
خور عبدالله اليوم اختبار للعقل العربي:
إما أن نتعلم من كارثة 1990… أو نثبت أن التاريخ في منطقتنا لا يُقرأ إلا بعد فوات الأوان.
الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا