المطلوب السحب وليس التأجيل، والاستماع لصوت الناس قوة!

كتبت: د. رلى الحروب.  …..

 

أعلنت الحكومة امس عن تأجيل النظر في مشروع قانون الضمان المعدل، لمزيد من الدراسة، وهو خيار كان ينبغي ان يصدر عن لجنة العمل النيابية وليس الحكومة، فتأجيل النظر في مشروع او التصويت عليه هو حق للبرلمان وليس الحكومة دستوريا.

وعوضا عن ذلك، كان ينبغي أن تعلن الحكومة بشجاعة عن سحب مشروع القانون، لإعداد مشروع افضل واوسع واشمل واكثر قدرة على الصمود امام التحديات المستقبلية، يعالج الخلل لا من باب محاسبي فحسب، بل من باب اقتصادي اجتماعي أوسع، ولا يعود للبرلمان للتعديل بعد بضع سنوات!

ونقول لدولة الرئيس إن التراجع عن الخطأ فضيلة، والاستجابة لصوت الناس ليس ضعفا ، بل هو قمة القوة، وقمة المطلوب من أي حكومة وأي برلمان، وهو يحسب للحكومة لا عليها، لا سيما وأن سحب المشروع في اي مرحلة من مراحل وجوده في البرلمان من حق الحكومة دستوريا، بحسب قرار سابق للمجلس العالي لتفسير الدستور.

إننا ندعو الحكومة الموقرة الى سحب المشروع و انتظار نتائج الدراسة الاكتوارية الثانية عشرة التي ستصدر هذا العام، لان الدراسة الحادية عشرة اجريت في الفترة من (2020-2023)، في ظروف غير طبيعية وشاذة هي أزمة الكورونا ، ولا ينبغي ان يقاس عليها، فقد اغلقت الاعمال والقي بالناس في الشارع دون دخول، واضطرت الحكومة الى اللجوء الى اموال الضمان لتأمين مشروعات اجتماعية ليست من اختصاص الضمان لانقاذ المجتمع، وصلت كلفتها بحسب اعلانات المؤسسة ذاتها الى ما يقرب من ستمائة مليون دينار، وبحسب الخبراء المستقلين إلى ما يقرب من سبعمائة وخمسين مليون دينار!

وبالرغم من تحفظاتنا على هذه الدراسة الاكتوارية، حيث أنه لم يتم التحقق منها من اي جهة علمية محايدة، ولم تخضع للتحكيم، إلا أنها كشفت عن خلل حقيقي في صندوق التأمينات، وهو تأمين تقاعد العجز والوفاة والشيخوخة، في المقابل، فقد اشارت الى وجود فوائض تأمينية في تأمين الامومة واصابات العمل، واقترحت تحويل هذا الفائض الى تأمين العجز والشيخوخة والوفاة او تخفيض نسب الاقتطاع في هذين التأمينين واضافتها الى اقتطاعات تأمين العجز والشيخوخة والوفاة، مع توخي الحذر بالنسبة لتأمين الأمومة واعطائه بضع سنوات اضافية للتأكد من مخرجاته. وقد دعت الدراسة الاكتوارية ذاتها الى اعادة النظر في تأمين التعطل عن العمل مشددة على أن الآلية التي يعمل بها لا تجعله تأمينا ولا توفر اي حماية حقيقية، وهي اقرب ما يكون الى حساب أمانات.

وهو ما لم يأخذ به مشروع القانون، الذي اكتفى بتشديد ظروف التقاعد الوجوبي والمبكر بما في ذلك المهن الخطرة، وتقليص المنافع التأمينية، وتسلل – تحت ذريعة الدراسة وخلافا لنتائجها وتوصياتها- الى هدم الهيكلية القائمة لمؤسسة الضمان ملغيا صندوق الاستثمار واستقلاليته ومضعفا التمثيل الثلاثي للعمال واصحاب العمل والحكومة، ومضعفا للرقابة البرلمانية وإمكانية المساءلة والحساب، وواضعا اموال المؤمن عليهم في مهب الرياح في غموض تشريعي مريب يشي بتحويل اموال الضمان الى ما يشبه صندوق نفع عام او صندوق سيادي يمول مشروعات الحكومة، بدلا من كونه صندوقا لتنمية اموال المؤمن عليهم وفق افضل الممارسات الدولية، لاستدامة مظلة الحماية لهم في عجزهم ووفاتهم وشيخوختهم وما يتعرضون له من مخاطر في سوق العمل.

وعليه، فإن الإصلاح المطلوب هو إصلاح بنيوي عميق لا يقتصر على تقليص المنافع، بل يعالج مصادر الخلل.

والغريب ان الحكومة استندت الى نتائج هذه الدراسة الحادية عشرة دون ان تطلعنا هي أو مؤسسة الضمان الاجتماعي على نتائج الدراستين الاكتواريتين اللتين سبقتاها، وهما التاسعة والعاشرة، اللتين لم تنشرا حتى تاريخه، وهل كشفت تلك الدراسات عن ذات الخلل، أم أن هذا الخلل طارئ وناتج عن ظروف استثنائية في سوق العمل هي أزمة الكورونا؟!!

ومع احترامنا لخبراء منظمة العمل الدولية الذين اعدوا الدراسة الحادية عشرة، والذين لا نشكك في خبرتهم العلمية والفنية، إلا أن أي دراسة تعتمد على صحة البيانات المقدمة ودقتها، وصحة الفرضيات التي بنيت عليها، بالاضافة الى منهجية الدراسة، وهو ما كان ينبغي فحصه بدقة من جهة مستقلة للتأكد من صحة التنبؤات الاكتوارية،

إننا ندعو الحكومة الى التقدم بمشروع قانون جديد للضمان بعد ان استمعت لجنة العمل النيابية الى وجهات نظر ومقترحات عدة من مختلف فئات المجتمع، اجمعت على رفض المشروع الحالي.

وندعوها الى أن يشمل المشروع الجديد المواد المسكوت عنها فيفصل الحسابات المالية الاكتوارية بين المدنيين والعسكريين، ويجعل لكل فئة حسابا اكتواريا خاصا بها لتمكين المؤسسة من معالجة الخلل في كل فئة وكل تأمين على حدة..

ونعارض بشدة الغاء استقلال صندوق استثمار اموال الضمان ونقرع عشرات اجراس الانذار تجاهه، ونعارض تعيين رئيس مجلس الادارة من قبل الحكومة حتى لو كان يحمل مسمى محافظ، ونعارض فتح سقف المكافآت على مصراعيه لإدارة الضمان، ونعارض بشدة الحد من سلطة البرلمان على المساءلة ، ففي وجود المساءلة لم تكن الدنيا قمرة وربيع، فما بالك في غيابها، ونعارض تقديم الحلول على حساب معيشة المواطنين في شيخوختهم، ونعارض الالقاء بالناس الى الشارع في مرحلة حرجة من حياتهم دون رواتب ودون ضمان ودون أي نوع من الحماية، فقانون الضمان ليس قانونا محاسبيا بحتا، بل هو قانون اقتصادي اجتماعي له انعكاسات كبرى على حياة الناس وعجلة الاقتصاد وبالاخص الاقتصاد الكلي.

ونؤكد على أن مشكلة الضمان ليست فورية، ولكنها هيكلية ومتراكمة، ويمكن معالجتها عبر الإيرادات والاستثمار والحوكمة دون المساس بحقوق الناس، فالإصلاح الرشيد لا يكون بتحميل المؤمن عليهم الكلفة، بل بإصلاح النظام نفسه، ونرجو ان تكون المقترحات الاكتوارية والتشريعية والسياسية التي تقدمنا بها في حزب العمال الى معالي وزير العمل يوم الثلاثاء الماضي وأخبرنا بأنه أخذ ببعض منها ان تكون الهادي للحكومة في صياغة مشروع قانون جديد اكثر عدالة واكثر حماية واكثر استدامة.

وأخيرا، فإننا جميعا في قارب واحد، ولسنا فريقين، بل فريق واحد، وحين تتعدد وجهات النظر فإن هذا يضمن الوصول الى قرار اكثر حكمة وشمولا واعتدالا.

والله من وراء القصد.

قد يعجبك ايضا