فادي السمردلي يكتب: هل اصبحت جدلية البعض على مبدأ اغنية جدلي يا ام الجدايل جدلي
بقلم فادي زواد السمردلي ….
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
👈*المقال يصوّر حالة عامة، وأي تشابه عرضي مع أشخاص أو وقائع حقيقية غير مقصود.*👉*
لم تعد ظاهرة الجدل لدى البعض في مجتمعاتنا مجرد اختلاف في الرأي أو محاولة صادقة للوصول إلى الحقيقة، بل تحولت عند بعض الأشخاص إلى أسلوب حياة، بل إلى مسرح استعراض دائم وكأن شعارهم الخفي هو جادل فقط لتُرى، وانتقد فقط لتُسمع، واعترض حتى لو لم يكن لديك ما تضيفه وهنا تبرز المفارقة المؤلمة فبدل أن يكون النقاش وسيلة للبناء، صار عند فئة معينة مجرد ضجيج، يشبه صوت طبل أجوف يعلو صوته كلما ازداد فراغه من الداخل.
إن المشكلة الحقيقية ليست في الاختلاف، فالاختلاف سنة من سنن الحياة، بل في تلك العقلية التي تعتقد أن قيمة الإنسان تقاس بكمية الاعتراضات التي يطلقها، لا بجودة ما يقدمه فنرى بعض الشخوص يدخلون أي قضية، مهما كانت حساسة أو مصيرية، لا بدافع الحرص على المصلحة العامة، بل بدافع الظهور يهاجمون، ينتقدون، يلوكون الكلمات القاسية، ثم يقفون منتظرين التصفيق، وكأنهم أبطال معركة وهمية وفي الحقيقة، هم لا يبحثون عن حل، بل عن منصة.
تلك الشخصيات الفارغة تتعامل مع الجدل كما يتعامل لاعب سيرك مع أدواته المهم أن يجذب الأنظار، حتى لو كان العرض بلا مضمون فتراهم يرفعون أصواتهم في كل اتجاه، ويهاجمون كل مبادرة، ويشككون في كل إنجاز، لا لأنهم يملكون رؤية أفضل، بل لأن الصمت بالنسبة لهم موت معنوي فهم يخافون أن يمر الزمن دون أن يُذكر اسمهم، فيختارون الطريق الأسهل إثارة الجدل، ولو على حساب استقرار المجتمع أو سمعة الوطن.
الأخطر من ذلك أن بعضهم لا يتردد في تحويل القضايا الوطنية إلى ساحات استعراض شخصية فيتحدث عن الوطن وكأنه مسرح خاص، يصرخ فيه ليقول “ها أنا موجود” ولا يهمه إن كانت كلماته تُضعف الثقة أو تُربك الناس أو تُسيء إلى صورة البلد، فالمهم عنده أن يصل صوته، حتى لو كان صوته نشازًا يجرح الأذن قبل أن يقنع العق. فهذه ليست شجاعة، وليست حرية رأي، بل نوع من الأنانية المقنعة بعباءة الغباء والجرأة الوقحة.
ولعل أكثر ما يثير الاستغراب هو أن هؤلاء يعتقدون أنهم يمارسون دورًا بطوليًا فيتوهمون أنهم حماة الحقيقة، بينما هم في الواقع يستهلكون طاقة المجتمع في جدالات عقيمة فالنقد الحقيقي يحتاج معرفة، ومسؤولية، وإحساسًا بالعواقب أما النقد من أجل الضجيج، فهو مجرد استعراض عضلات لفظية، سرعان ما ينكشف ضعفه عند أول اختبار جدي فالكلمة التي لا تحمل فكرة، تشبه الرصاصة الفارغة تحدث صوتًا مدويًا، لكنها لا تصيب هدفًا.
إن الوطن ليس ساحة لتجارب الأصوات المرتفعة، ولا منصة لمن يريد أن يثبت وجوده بأي ثمن فالوطن فكرة كبيرة، ومسؤولية مشتركة، تحتاج إلى عقول هادئة أكثر مما تحتاج إلى حناجر صاخبة ومن المؤسف أن البعض يخلط بين الجرأة والفوضى، وبين النقد والهدم، وبين الحرية والتشويش فيتصرف وكأن إثارة الجدل بحد ذاتها إنجاز، وكأن كثرة الاعتراض دليل على الذكاء.
في النهاية، يبقى السؤال المؤلم هل أصبح الجدل عند بعض الناس هدفًا بحد ذاته، لا وسيلة للوصول إلى الحقيقة؟ وهل تحولت ثقافة الحوار إلى سباق في رفع الصوت بدل رفع مستوى الفكرة؟ الحقيقة أن المجتمعات لا تتقدم بالضجيج، بل بالعمل، ولا تُبنى بالصراخ، بل بالتفكير أما أولئك الذين يجادلون فقط ليُقال عنهم إنهم موجودون، فهم يشبهون الطبول الفارغة كلما اشتد الفراغ في داخلها، ازداد صخبها في الخارج.
الكاتب من الأردن