أكاديميةُ الزَّيفِ والهلوسةِ الترامبية… حينُ تُدارُ الحروبُ بعقلٍ مكسور
طوفانُ الجنيد. …..
من وَهْمِ إسقاطِ طهران إلى مهزلةِ إسلام آباد:
في واحدةٍ من أكثر لحظات التاريخ السياسي المعاصر انحطاطًا، استفاق العالمُ في فبراير/شباط 2026 على حربٍ أُعلنت لا من غرفِ التخطيط الاستراتيجي، بل من غرفِ الهلوسة في عقل ترامب وشريكه نتنياهو. حربٌ قُدِّمت على أنها خاطفة، محسومة، نهائية… فإذا بها تتحوّل إلى صفعةٍ مدوّية قلبت الطاولة، وكسرت الغرور، وفضحت هشاشة الإمبراطورية التي ظنّت أن التغريدة صارت بديلًا عن الواقع.
الردُّ الإيراني لم يكن مجرّد فعلٍ عسكري، بل كسرٌ معرفيٌّ لمعادلة القوة. أربعون يومًا من الاشتباك كشفت أن النار لا تُدار بالاستعراض، وأن الجغرافيا لا تُهزم بالتصريحات. قدّمت طهران دمًا، لكنها احتفظت بقرارها، وبالطلقة الأخيرة، وبمعنى السيادة في زمن الانبطاح.
ثم جاءت الاستراحة… لا هدنةَ عقلٍ، بل استراحةَ كذب، أُطلق عليها زورًا اسم دبلوماسية، في إسلام آباد. وما جرى هناك لم يكن تفاوضًا، بل فصلًا إضافيًا من مسرحية أمريكية هابطة.
ما نواجهه اليوم ليس صراع جيوش، بل منظومةَ تضليلٍ كاملة؛ أكاديميةً قائمة بذاتها، تُدرّس الزيف، وتُخرّج الأوهام، ويقودها خطابٌ ترامبيٌّ منفصلٌ عن الواقع كما ينفصل الهذيان عن الوعي.
كذبٌ بلا سقف… وتناقضٌ بلا خجل
لم يعد خطابُ ترامب كاذبًا فحسب، بل صار فضيحةً لغوية وسياسية.
قال في مارس إنه «قضى على النظام الإيراني»، ثم عاد ليزعم أن قادة طهران «يتوسلونه».
وبعد أيام، هدد بإفناء حضارةٍ كاملة «في ليلة واحدة». هذا ليس خطابَ رئيس، بل نوباتُ هذيانٍ علنيّة تُبثّ على شاشات العالم.
المضيق: من نصرٍ وهمي إلى عجزٍ فاضح
تباهى بأن الملاحة عادت، وأن البحرية الإيرانية انتهت، بينما عجز عن تمرير سفينةٍ واحدة من أساطيله.
هدد بمحو إيران إن لم تفتح المضيق، ثم ارتدّ إلى الخلف ليعلن حصارًا بحريًا.
هذا ليس تناقضًا سياسيًا؛ هذا ارتباكُ مهزومٍ يحاول تغطية الفشل بالضجيج.
المفاوض الوهمي… والحديث مع الأشباح:
ادّعى محادثاتٍ سرّية ناجحة مع «شخصياتٍ إيرانية رفيعة»، ليتبيّن أن واشنطن كانت تفاوض الفراغ، وتحاور ظلالًا، وتحاول شقّ الصف الإيراني بأدواتٍ بالية لم تعد تخدع أحدًا.
إسلام آباد: قمةُ الكذب الدبلوماسي
اجتمعوا 21 ساعة، خرجوا بلا ورقة، بلا توقيع، بلا إنجاز.
ومع ذلك أعلن ترامب «نصرًا دبلوماسيًا».
ثم بلغ العبث ذروته حين زعم أن إيران ستسلّمه اليورانيوم، وتغلق برنامجها النووي، وتفتح المضيق، ولم يتبقَّ سوى أن يذهب لتوقيع الاتفاق!
بينما الواقع يقول بوضوح: ترامب يعيش في فقاعة، والعالم يشاهد الانهيار بثًّا مباشرًا.
الخطر الحقيقي: تطبيع الكذب
المأساة ليست في الحرب وحدها، بل في تحويل الكذب إلى سياسة رسمية. حين تُدار الأزمات النووية بعقلية «تلفزيون الواقع»، يصبح الدم مادةً دعائية، وتغدو الشعوب وقودًا لطموحاتٍ انتخابية مريضة.
الحقيقة القاطعة:
الهلوسة الترامبية لا تُنهي حربًا ولا تصنع سلامًا.
إنها فقط تُخفي الغرق بالصراخ.
و«اتفاق إسلام آباد» ليس إلا فاصلاً إعلانيًا لجولةٍ أكثر وحشية، قد لا ينجو العالم من ارتداداتها.
ختامًا:
ما بين نار فبراير ومهزلة التفاوض، تَسقُطُ العنتريات، وتنهار الأقنعة. الشرق الأوسط يدخل طورًا جديدًا تُرسم فيه الجغرافيا بالإرادة لا بالتهديد، وبالوقائع لا بالهلوسة.
العالم لم يعد يضحك من ترامب… بل ينتظر نهاية العرض، وسقوط الستار، وبداية زمنٍ تُدار فيه السياسة بعقلٍ حيّ، لا بعقلٍ زهيمري
الكاتب من اليمن