*عبد الحميد بن باديس: باني الهوية وصمام أمان الانتماء الجزائري*
د. أحمد العرامي ……..
تعد ذكرى وفاة العلامة عبد الحميد بن باديس وقفة تأمل عميقة في مسيرة رجل استطاع انتشال شعب بأكمله من براثن التغريب ومحاولات الطمس الوجودي التي انطلقت منذ لحظة الاحتلال الأولى عام 1830م ففي الوقت الذي كانت فيه الإدارة الاحتلالية الفرنسية تتعامل مع الجزائر بصفتها امتداداً جغرافياً وإدارياً طبيعياً لفرنسا، مستندة إلى أطروحات واهية تزعم أن البحر المتوسط ليس إلا نهراً يعبر في قلب الأراضي الفرنسية وأن زلزالاً قديماً هو ما فصل القارتين.
لقد منعت فرنسا تعليم اللغة العربية وحاصرت كل مناحي التواصل مع العالم الإسلامي بهدف عزل الإنسان الجزائري عن جذوره، إلا أن مؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أدرك أن معركة التحرير تبدأ من استعادة اللسان والوجدان، فأنشأ شبكة تعليمية امتدت عبر القرى لربط الجيل الناشئ بهويته الأصيلة، رافعاً شعاره الخالد بأن الجزائر وطننا، والعربية لغتنا، والإسلام ديننا.
ولم يتوقف دور بن باديس عند حدود التعليم في المسجد، بل امتد ليكون موقفاً سياسياً صلباً تجلى بوضوح إبان نذر الحرب العالمية الثانية، حين رفض رفضاً قاطعاً مباركة الجهود الحربية الفرنسية أو الانصياع لضغوط الإدارة الفرنسية التي طالبت بتأييدها في مواجهة الخصوم، مفضلاً التمسك باستقلالية القرار الوطني ومصالح شعبه المغتصبة. وهذا الثبات المبدئي هو ما جعل سلطات الاحتلال الفرنسي تضيق ذرعاً بوجوده، لتتواتر الروايات التاريخية التي تشير إلى تعرضه لعملية تسميم مدبرة استهدفت إنهاء حياته لإخماد جذوة الوعي التي أشعلها، غير أن رحيله الجسدي لم يكن إلا بداية لولادة جديدة لفكره الذي تغلغل في أعماق الحركة الوطنية. فقد ترك وراءه جيشاً من المتعلمين والخريجين تجاوز عددهم خمسة وأربعين ألفاً، شكلوا النواة الصلبة التي حافظت على لغة الأمة ودينها في أصعب الظروف التاريخية.
وتجلت ثمار هذا الغرس الباديسي ليلة اندلاع الثورة التحريرية الكبرى، حين وجد القادة الشباب المنتمون لتيارات وطنية ميدانية أنفسهم أمام تحدٍ لغوي وتعبيري يعكس عمق المأساة التي خلفها التجهيل الفرنسي؛ إذ وجد الكثير منهم صعوبة في صياغة بيان أول نوفمبر بلغة عربية فصحى وبليغة تليق بعظمة الحدث، نظراً لتركيز تعليمهم في المدارس الفرنسية. وهنا ظهر الأثر العظيم لخريجي جمعية العلماء المسلمين الذين تكفلوا بمهمة تعريب الثورة وصياغة هويتها اللغوية والتواصل مع المحيط العربي والإسلامي، ليتحول أولئك الخمسة والأربعون ألف طالب إلى سفراء للقيم التي زرعها بن باديس. وهكذا بقيت الثورة الجزائرية في جوهرها ثورة استعادة للانتماء، حيث أثبتت الأيام أن العبقرية الباديسية لم تكن مجرد وعظ ديني، بل كانت هندسة اجتماعية ولغوية دقيقة ضمنت للجزائر استقلالها الثقافي قبل أن تنال استقلالها السياسي، وأكدت أن الهوية التي تعيش في الصدور لا يمكن محوها بجرة قلم إداري أو بتقسيمات جغرافية مصطنعة.
الكاتب من اليمن