فادي السمردلي يكتب: معركة الأردن اليوم… استثمار يخلق عملاً لا وعودًا
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_أفعال_لا_أقوال
لم يعد في الأردن ترف الوقت ولا رفاهية الانتظار فالحديث عن التحديات أصبح مكررًا، والتشخيص معروفًا للجميع بطالة مرتفعة، فرص محدودة، وشباب يبحث عن مكان له في سوق العمل فلا يجد إلا أبوابًا ضيقة أو مؤقتة ولكن المشكلة الحقيقية ليست في معرفة التحديات، بل في طريقة التعامل معها فقد حان الوقت لنقولها بوضوح: معركة الأردن اليوم ليست معركة شعارات ولا خطابات، بل معركة استثمار حقيقي يخلق عملاً ويحفظ كرامة الناس.
الناس في الأردن لا تطلب المستحيل، ولا امتيازات خاصة، ولا رفاهية زائدة فما يطلبه المواطن بسيط ومباشر: فرصة عمل مستقرة، دخل يكفي لحياة كريمة، وإحساس بأن الجهد الذي يبذله سيقابله تقدير واستقرار فكرامة الإنسان لا تقتصر على كلمة نظرية، بل هي مرتب آخر الشهر الذي يساهم في القدرة على إعالة الأسرة دون قلق دائم، وهي شعور الشاب بأن مستقبله يُبنى هنا، لا في مكان آخر.
خلال السنوات الماضية، كثر الحديث عن الإصلاح الاقتصادي، وعن خطط التنمية، وعن برامج التشغيل. لكن الحقيقة التي يعرفها الناس جيدًا هي أن النتائج على الأرض لم تكن بحجم الوعود فالاقتصاد لا يتحسن بالتصريحات، ولا ينمو بالخطط المكتوبة فقط فالاقتصاد يتحسن عندما يدخل مستثمر جديد، عندما تُفتح شركة جديدة، وعندما يتوسع مصنع قائم ويضيف عشرات الوظائف فهذه هي اللغة التي يفهمها الناس، وهذه هي اللغة التي يجب أن نتحدث بها.
المعادلة واضحة.الاستثمار يخلق وظائف، والوظائف تخلق استقرارًا، والاستقرار يخلق ثقة وعندما تتوافر الثقة، يبدأ الاقتصاد بالدوران من جديد فهذه ليست نظرية اقتصادية معقدة، بل تجربة أثبتتها دول كثيرة فكل دولة أرادت أن تنهض بدأت من نقطة واحدة جعلت خلق فرص العمل أولوية وطنية حقيقية، لا بندًا ثانويًا في خطة طويلة.
لكن الاستثمار لا يأتي بالصدفة، ولا يتحقق بالتمنيات فالمستثمر يبحث عن بيئة واضحة، وقوانين مستقرة، وإجراءات سريعة، وتكلفة يمكن التنبؤ بها فعندما تكون الإجراءات معقدة، والقرارات متغيرة، والرسائل غير واضحة، فإن رأس المال يبحث عن مكان آخر فهذه حقيقة اقتصادية قاسية، لكنها واقعية فالمنافسة اليوم ليست بين شركات فقط، بل بين دول أيضًا فكل دولة تحاول أن تكون الوجهة الأفضل للاستثمار، ومن لا ينجح في ذلك يدفع الثمن على شكل بطالة وتباطؤ اقتصادي.
الأردن يملك كثيرًا من نقاط القوة التي يمكن البناء عليها موقع جغرافي مهم، استقرار سياسي كوادر بشرية متعلمة، وسمعة جيدة في قطاعات عديدة وهذه ليست مزايا صغيرة، بل أصول حقيقية يمكن تحويلها إلى فرص عمل إذا استُخدمت بالشكل الصحيح فالمشكلة ليست في غياب الإمكانات، بل في سرعة تحويل الإمكانات إلى نتائج ملموسة.
القرار الداخلي هو نقطة البداية فلا أحد سيبني اقتصاد الأردن بدلًا عن الأردنيين أنفسهم فالدعم الخارجي مهم، والتعاون الدولي مفيد، لكن الأساس دائمًا يكون في الداخل، في السياسات التي نتخذها، وفي الأولويات التي نحددها، وفي الجرأة على اتخاذ قرارات صعبة عندما تكون ضرورية فالدول التي نجحت لم تنتظر الظروف المثالية، بل صنعت ظروفها بنفسها.
معركة الأردن اليوم هي معركة ثقة قبل أن تكون معركة أرقام فعندما يرى المواطن مشاريع جديدة تُقام، ووظائف تُعلن، وفرصًا حقيقية تُفتح، تتغير نظرته للمستقبل وعندما يرى المستثمر بيئة عمل مستقرة وواضحة، يقرر أن يضع أمواله هنا لا في مكان آخر. الثقة لا تُطلب بالكلام، بل تُبنى بالفعل.
الجيل الشاب في الأردن لا يريد أن يهاجر بحثًا عن فرصة، لكنه يفعل ذلك عندما تضيق الخيارات. هذا ليس ضعفًا في الانتماء، بل بحثًا عن حياة أفضل وإذا أردنا أن نحافظ على طاقات هذا الجيل داخل البلد، فعلينا أن نوفر له السبب للبقاء وظيفة حقيقية، ومسار مهني واضح، وأمل واقعي في التقدم.
في النهاية، المسألة ليست اقتصادية فقط، بل وطنية أيضًا فالبطالة ليست رقمًا في تقرير، بل قصة إنسان ينتظر فرصة والاستثمار ليس بندًا ماليًا، بل جسرًا نحو الاستقرار الاجتماعي. لهذا فإن معركة الأردن اليوم يجب أن تُخاض بجدية، وبتركيز، وبإصرار على النتائج.
الوعود لم تعد كافية. الخطط وحدها لا تكفي. ما يحتاجه الأردن الآن هو فعل اقتصادي واضح استثمار يخلق عملاً، وعمل يحفظ كرامة الناس، وقرار داخلي يضع هذه الحقيقة في مقدمة الأولويات فهذه هي المعركة الحقيقية، وهذه هي الطريق الأقصر نحو مستقبل أكثر استقرارًا وثقة.
الكاتب من الأردن