الصفعات المتتالية «لداعش» تصيب ترسانته بالوهن
شبكة وهج نيوز : أوشك العام على نهايته، ولم تنته داعش بعد، ذلك التنظيم الذي خرج بين ليلة وضحاها يعيث في الأرض فسادًا، ويضرب بعرض الحائط كل القيم الدينية والإنسانية، وما زالت البصمة الداعشية حاضرة، رغم اعتبار البعض أن نجم هذا التنظيم الدموي قد بدأ في الأفول .
الواضح وفقا لتقارير دولية ان العام 2016 شهد تراجعاً لداعش على كافة الجبهات والمحاور، بالتزامن مع انهيار خزانها البشري الذي وصل حدّ النضوب .
وتزامن التراجع العسكري على الأرض مع انهيار أو نضوب الخزان البشري للتنظيم، الأمر الذي بدا واضحاً في العام 2016، في تفضيل التنظيم الانسحاب على المواجهة ،ويمكن إرجاع ذلك الانهيار لجملة عوامل منها؛ سياسة التنظيم المتشددة في ممارسة السلطة والحكم، ما نفّر الغالبية الساحقة من العرب السنة منه، ولاسيما بعد اتخاذ التنظيم موقفاً عدائياً من المقاومة الوطنية العراقية والمعارضة السورية، وفرضه إيديولوجيا متطرفة بالحديد والنار، فأصبحت مناطق التنظيم بيئة طاردة للسكان، ولم ينفع قراره «منع المغادرة» من هجرة الأهالي منها.
خوض معارك كبيرة وحروب استنزاف، أفقدت التنظيم قوات نخبته التي لم يستطع تعويضها لاحقاً. ويضاف إلى ذلك التدهور، خسارة التنظيم للقيادات والشخصيات المؤثرة في صفوفه الأولى، كوزير إعلامه، عضو «مجلس الشورى»، المسؤول عن إصدارات التنظيم المرئية والصوتية والورقية، وائل عادل حسن سلمان الفياض، المعروف بـ»أبو محمد الفرقان». كما قُتل في قصف لـ»التحالف» الناطق الرسمي باسم التنظيم، عضو «مجلس الشورى»، مسؤول التجنيد ومهندس العمليات الخارجية، طه صبحي فلاحة، المعروف بـ»أبو محمد العدناني». وأيضاً، شكّل مقتل القائد البارز والمسؤول عن قيادة كثير من العمليات العسكرية، تارخان باتيراشفيلي، المعروف باسم «عمر الشيشاني» ضربة موجعة للتنظيم، بعدما لعب دوراً بارزاً في السيطرة على مناطق المعارضة في سوريا.
خسارة قيادات الصف الأول، ترافقت مع قيادات الصف الثاني والثالث، مجهولة الأسماء، التي لم يستطع التنظيم تعويضها.
وشكّل إغلاق الحدود بإحكام، سبباً في حرمان التنظيم من مورد بشري هام لتعويض مقاتليه والانشقاقات عن «داعش « كان لها أثر بالغ الخطورة في تدهور التنظيم، لا يقل عن خسارة قوات نخبته أو قادته، فالانشقاقات، خصوصاً من العناصر الأجانب، تدل على ضعف الثقة والخلافات الداخلية. ويؤكد قادة جبهات الريف الشمالي لحلب، انشقاق مئات العناصر خلال العام الحالي. ولا يشمل ذلك، من ترك الوظائف المدنية في إدارات التنظيم، وهرب إلى مناطق المعارضة أو إلى تركيا، فقد ألقت المعارضة في فترات مختلفة، القبض على عدد من عناصر التنظيم ممن لجأوا إلى أعزاز، وكانوا يخططون للهرب إلى تركيا، ويُضاف لذلك هروب كثير ممن كانوا يقومون بجباية أموال الزكاة.
كل ذلك أضعف الثقة بالتنظيم في محيطه الضيق، وساهم في نضوب خزاناته البشرية، وهذا ما يفسر كثرة الإعدامات في صفوفه، إذ تتضارب الروايات بين حركات تمرد، ومحاولات انشقاق جماعية، وأياً تكن الرواية الصادقة فهي تدل على تدهور غير مسبوق في مناطق التنظيم.
ازمة مالية
انتشرت في الآونة الأخيرة معلومات حول الأزمات التي تعرض لها تنظيم داعش الإرهابي، منها الأزمات المالية، التي ربما تكون القشة التي ستقصم ظهر البعير، فتلك الأزمات قادت التنظيم إلى تقليص رواتب المقاتلين إلى 50%، فضلاً عن إلغاء كافّة المنح والتحفيزات بشكل عام، بل إلى تقاسم الطعام نفسه؛ الأمر الذي أدّى إلى فرض الغرامات والإتاوات على الناس لسد العجز القائم، بعد أن كان يعاقبهم التنظيم بالجلد والسَجْن إذا خالفوا شرع الله. والسؤال هنا: هل يبتغي التنظيم أن يطبق الشعبُ شرع الله، أم يسعى لجمع كثير من الأموال لسد العجز في ميزانيته؟
استنتج البعض أن التنظيم، الذي اعتمد في تمويله على مصادر عديدة، بدأ ينهار بالفعل، وذلك بسبب الهجمات التي شنّها ويشنها التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش على مواقع النفط، وانتكس التنظيم اقتصاديًا، لأنه كان يعتمد عليه في المقام الأول.
الأزمة المالية تؤدي بدورها إلى أزمة عسكرية، فالتنظيم بدأ يهتز على أرض المعركة، وبدأ بخسارة مساحات عريضة من الأراضي التي سيطر عليها، والتي قدّرها البعض بأنها تساوي مساحة المملكة المُتّحدة، الأمر الذي فطنت له الحكومة العراقية، وقامت بدورها بمنع دفع رواتب المواطنين، الذين يسكنون داخل مناطق تابعة للتنظيم، وهذه الخطوة كانت بمثابة صفعة جديدة للتنظيم، لأنه اضطر بموجب الأزمة المالية لفرض إتاوات على رواتب المواطنين، وتراوحت الإتاوة بين 20% إلى 50% أحيانًا.
وقد تنبأت الكثير من الأنظمة بانهيار داعش بفضل هذه الصفعات المتتالية للتنظيم، الأمر الذي دفع البعض للتفكير فيما سيحدث بعد سقوط التنظيم، فقد بات انهياره وشيكًا بعد المعارك الضارية، التي يشنها التحالف والقوات العراقية بكافة أطيافها، وخصوصًا معركة الموصل، أكبر معاقل تنظيم داعش في العراق.
خسارة الحرب الالكترونية
لوسائل الإعلام دورٌ كبيرٌ في خدمة مصالح الجماعات الإرهابية التي انتشر إرهابها بين ليلة وضحاها كالنار في الهشيم، فلولا وجودها لما تمكنت تلك الجماعات الإرهابية من اختراق المجتمعات الشبابية على مستوى العالم، ونشر أفكارهم المسمومة في عقول الشباب من الجنسين.
تلعب وسائل الإعلام دورًا مهمًا في تنمية وتغذية تلك الأفكار وتوجيهها مسارات محددة، لدرجة أن عددًا من الخبراء والمراقبين أجمعوا على أن سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على مساحات شاسعة من الأراضي السورية والعراقية واستقطابه لعشرات الآلاف من المقاتلين يعود لاستخدامه آلة إعلامية ضخمة، يحشد من خلالها أنصاره، ويواجه بها خصومه؛ لهذا كان الطريق الوحيد أمام المجتمع الدولي، والمنظمات المدنية، والمؤسسات والهيئات الدينية والعسكرية والسياسية هو تبني خطة إعلامية مناهضة لهذا التنظيم، وعلى مستوى عال تمكنهم من تحصين الشباب والفتيات من الأفكار الضالة والشاذة لهذا التنظيم.
بالنظر إلى ما يُعرف بالقرصنة الإلكترونية فسنجد أنها سلاح ذو حدين، فرغم أنها فعلٌ مذموم، إلا أن استخدامها في بعض الحالات والأوضاع يكون ضروريًا ومهمًا من أجل التأمين، بمعنى آخر «القرصنة الإلكترونية»تعتمد على المستخدم والهدف من استخدامه إياها.
نعيش الآن في وقت صار العالم فيه منفتحًا على بعضه البعض، وصار بإمكان كل شخص مشاركة أفكاره ومشاعره ومقترحاته وفعالياته حول العالم بكل سهولة ويسر عبر تكنولوجيا الهواتف الذكية والتطبيقات الحديثة.
ففي دراسة أجراها الكاتب الأمريكي «رالف هانسون» لمعرفة أكثر الوسائل الحديثة تأثيرًا على الأفراد والمجتمع، تبين أنه الإعلام، فهو يؤثر على الفرد في تغيير سلوكه وموقفه ومعتقده.وهنا تأتي «خطورة» القرصنة الإلكترونية و»أهميتها» في نفس الوقت، فلو تم استخدامها من أجل محاربة تنظيم داعش الإرهابي في العراق وسوريا صارت الغاية نبيلة.
لاحظ باحثون عسكريون أمريكيون مؤخرًا انخفاض نسبة المنشورات الخاصة بداعش، وهو ما اعتبروه مؤشرًا على قرب نهاية هذا التنظيم الوحشي. كما أشارت دراسة جديدة نُشرت من قبل مركز»مكافحة الإرهاب في الأكاديمية العسكرية الأمريكية»في»ويستبوينت»، واعتمدت على تحليل حجم وسائل التواصل الاجتماعي التي يستخدمها هذا التنظيم، وكذلك حجم المنشورات الإعلامية التي تنشرها قيادات هذا التنظيم، إلى نفس النتيجة، وهي انخفاض إنتاج هذا التنظيم بشكلٍ ملحوظ في الآونة الأخيرة.ووفقًا لهذه الدراسة لوحظ أن داعش قد قام بنشر أكثر من 700 منشور يحتوى على صور وفيديوهات خلال شهر أغسطس من عام 2015، ولكن بحلول شهر أغسطس عام 2016 انخفض هذا العدد إلى 200 فقط .
استند هذا التنظيم الإرهابي في البداية على عنصر «التوحش» في نشر رسالته الإعلامية، عن طريق إصدار مقاطع قتل غاية في البشاعة ومحاولة تصديرها للعالم عبر مواقعه الإلكترونية، الأمر الذي جعل لهذه الدعاية الإعلامية دورا كبيرا في صعود نجمه باعتباره أخطر تنظيم إرهابي دولي. كما اعتمد على الميديا المقروءة من خلال نشره للعديد من الصور باللغة الإنجليزية عبر مجلته الإلكترونية «دابق»، والتي حاول عبرها تصدير رسالة للعالم مفادها أن مقاتليه أقوياء مفتولي العضلات، لا يمكن قهرهم، فهم أشبه بالشخصيات الأسطورية التي لا تُقهر.
استخدم التنظيم كذلك موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» كأداة أساسية لنشر دعايته، واستقطاب العديد من الشباب من مختلف أنحاء العالم، وساهمت الصور التي كانت تُنشر عليه، والمأخوذة من الحياة على أرض داعش، وسيلة مؤقتة في جذب مزيد من الأتباع، فمن خلالها رغب هذا التنظيم الوحشي في تصدير صورة مغلوطة تزعم بأن الحياة في دولته أشبه بالحياة المثالية الرائعة المليئة بالانتصارات.
رغم كل ما سبق، ورغم ما حققه هذا التنظيم من إنجازات – إن جاز التعبير – إلا أن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، فمنذ مطلع العام الحالي، والتنظيم يخسر عددًا كبيرًا من المدن التي كانت تحت سيطرته، وتتزامن هذه الخسارة مع عمليات القرصنة الإلكترونية التي شنتها ضده العديد من المؤسسات الأمنية والعسكرية، وهو ما انعكس بشكل واضح على نشاطه الإعلامي الذي كان يرافق تحركاته العسكرية والأمنية.
فحسب دراسة مركز»مكافحة الإرهاب» فقد شهد داعش العديد من اللطمات القوية والمتتالية، منها مكافحة إدارة تويتر للحسابات التي تخص أعضاء التنظيم، مما دفع التنظيم للجوء إلى استخدام تطبيقات أخرى أكثر تشفيرًا وعلى رأسها تطبيق التليجرام. غير أن التنظيم قد تلقى ضربة أخرى قوية عندما قام تطبيق التليجرام أيضًا بحظر العديد من القنوات والحسابات التابعة له، ونشر القائمون على التطبيق تغريدة يُعلنون فيها قيامهم بحظر 78 محطة تنتمي لداعش، ناطقة بحوالي 12 لغة.
لا يمكننا إنكار أن داعش ما زال قادرًا على إنتاج وصناعة إصدارات مرئية ومقروءة، ونشرها بسهولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي «يوتيوب»، و»فيسبوك»، و»تويتر»، خاصة وأنه يصعب منع المتطرفين كليًا من ممارسة نشاطهم الإعلامي؛ بسبب الثغرات الفنية والقانونية في الشبكة العنكبوتية، والتي يستغلها محترفون ينتمون إلى «داعش»، لكن رغم ذلك خسر التنظيم عنصر الانتشار الواسع لإصداراته بسبب حذفها بعد ساعات من نشرها، الأمر الذي ساهم بشكل كبير في إصابة ترسانته الإعلامية بالوهن، ويظهر هذا جليًا في إعادة التنظيم إنتاج مقاطع فيديو قديمة، ومحاولته الترويج لها باعتبارها مشاهد لأحداث جديدة، تم كشفها سريعا من قبل متصفحي الإنترنت.
ولنا أن نتساءل: هل بالفعل بدأ نجم هذا التنظيم الدموي في الأفول؟! هل اقترب يوم الخلاص من وحشيته؟؟؟ أم أنه السكون الذي يسبق العاصفة؟! على الرغم من تكرار الهجمات الداعشية خلال الآونة الأخيرة على أوروبا، إلا أن هناك من يرى أن تأثير الإرهاب الداعشي قد بدأ يضعف، كما أن الدعاية الجهادية للتنظيم بدأت تتراجع خاصة بعد إعلان التنظيم مقتل مسؤوله الإعلامي، هذا بالإضافة إلى فُقدان التنظيم لأجزاءٍ كبيرة من الأراضي التي كان يسيطر عليها، ورغم ذلك لا يجب إغفال أن التنظيم الإرهابي يحاول تعويض خسائره عن طريق الهجمات على أوروبا لإثبات قدرته على النفوذ ونشر الفكر الإرهابي في البلاد الأوروبية، كما لا يجب إغفال عودة 20 % من إجمالي خمسة آلاف أوروبي ممن انضموا لداعش، منهم من لا يزال محملاً بالأفكار المتطرفة، مما يعني احتمالية قيامه بعدد من العمليات الإرهابية مجددًا.
في ظل هذا الواقع الذي يعيشة التنظيم الارهابي فقد بدأ التنظيم يبحث عن تنفيذ خطة بديلة ،B ،وفقا لتقديرات خبراء مكافحة الارهاب حيث من المتوقع خلال الفترة القادمة أن يقوم أتباع التنظيم بأعمالٍ أكثر خطورة في مدن مختلفة في أمريكا وأوروبا وأمريكا اللاتينية وفي دول عربية ، أو في الأماكن التي يوجد بها حزب الله ، بينما يرى خبراء عسكريون روسيون أن تنظيم داعش سوف يركز خلال الفترة المقبلة على تأسيس خلايا له في بلدان أوروبية مثل فرنسا وبلجيكا وإسبانيا.
وطبقًا للتقارير فإن هناك سبعين عنصرًا تابعًا للتنظيم في البلقان يخططون لهجمات في أمريكا وفرنسا وإسبانيا، حيث تشكل دول البلقان مصدرًا للهجرة غير الشرعية كما تمثل خطرًا موجهًا نحو أوروبا.
لقد حاول التنظيم مواجهة النقص البشري، لكن ماكينته الإعلامية لم تنجح في ذلك، ولا أفلامه الهوليودية، في جذب عناصر جدد. ولم تُجدِ قرارات «منع الهجرة» خارج «الدولة الإسلامية». كما فشلت فكرة مدارس «أشبال الخلافة» ،فالمساحة شاسعة، والخسارة أكبر من أن تعوضها مدرسة هنا ومعسكر هناك، ولم يجد التنظيم مفراً من التراجع، وبالتالي تقلص مساحات سيطرته.
ويبقى السؤال؛ هل سيتم هزيمة الإرهاب في المنطقة بهزيمة تنظيم داعش ؟ هل سيتم القضاء على الأفكار المتطرفة بالقضاء على داعش ؟.
ربما كانت الإجابة بالنفي، ذلك أن نهاية تنظيم داعش قد تكون بداية لظُهُور جماعات مُتطرفة أخرى، لأن الأسس التي قام عليها التنظيم، متخفيًا تحت ستار الدين، لن يتم اقتلاع جذورها بين عشيّة وضُحاها. فإذا أراد العالم هزيمة التطرف والإرهاب، فلا بد أولاً من القضاء على ينابيع التطرف، فداعش وأخواتها ما هم إلا نَتَاج أفكار مُتطرفة. فكما تكاتفت القوى العُظمى وصُنّاع القرار مع بعضهم البعض لمحاربة التنظيم عسكريًا، لا بد من أن يتكاتفوا أيضًا لمحاربة الفكر بالفكر. وكما نجحت القوات العسكرية في القضاء على داعش في قطاع عريض من الأراضي التي سيطرت عليها، فستنجح المؤسسات والهيئات الفكرية في مقاومة الفكر نفسه، حتى لا نعاني بعد ذلك من وجود تلك الأفكار، التي تولِّد جماعات متطرفة مسلحة تقتل وتتسبب في هروب المواطنين من بلدانهم. ونستشهد هنا بكلام فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الذي أكّد في أكثر من محفل دولي أن القضاء على التطرف لن يأتي إلا بتعاون جميع المؤسسات الدينية منها والإعلامية والسياسية وقيام جميع المؤسسات بواجباتها المنوطة بها. الدستور… وحدة دراسات مكافحة الإرهاب…..
كتب مصطفى الريالات
