“سيلفيا الحمراء”.. قصة زوجة وابنة جاسوس

 

محور حياة سيلفيا كلينبرغ يتحرك بين جاسوسين، أحدهما ماركوس كلينبرغ الذي هو والدها الذي وصف بـ “أكبر الخونة” بعد أن سرب أسرار دولة إلى الـ كي.بي.جي. والآخر عودي أديب، حبيبها، وزوجها لفترة قصيرة، الذي كان عضو بارز في شبكة تجسس وتخريب يهودية – عربية. أعضاء الشبكة اعتبروا سيلفيا “جميلة وثورية”. وكارهوها سموها بأسماء إدانة يصعب على الورق وحتى شاشة الحاسوب استيعابها.

والدها مارك، اسمه البولندي، من مواليد وارسو وخدم كطبيب في الجيش الروسي في الحرب العالمية الثانية، وفقد عائلته في الكارثة. والديه وشقيقه وجده قتلوا في تريبلانكا. والدتها فاندا كانت من الناجين من الكارثة في بولندا، التي تم انقاذها بواسطة هوية مزيفة لمسيحية من وارسو. والداها وشقيقها قتلوا.

والدا سيلفيا تعارفا بعد الحرب وهاجرا إلى السويد. وهناك ولدت في العام 1947. وبعد سنة هاجروا إلى إسرائيل. “أمي لم تكن راضية عن هذا القرار. لقد كانت متعبة من الحرب ومن التنقل، لكن والدي أراد الهجرة. لقد كان يهوديا أصيلا واراد المشاركة في حرب التحرير”، قالت.

والدها تجند في الجيش كطبيب. وبعد ذلك كان من أوائل العاملين في المعهد البيولوجي في نس تسيونا. والدتها اندمجت في الجهاز الأكاديمي كميكروبيولوجية. وفي العام 1965 انهت سيلفيا دراستها في مدرسة ثانوية جديدة في تل أبيب وبدأت في العمل في هيئة تحرير “هعولام هزيه” برئاسة اوري افنيري. هناك في شارع غليكسون تعرفت على شخصيات رئيسية في اليسار الراديكالي في تلك الفترة وتحولت هي نفسها إلى شخصية معروفة في أوساط اليسار في تل أبيب والقدس.

معارفها وصفوها بأنها شخصية لها رأي وحازمة. في كتابه “الجاسوس الأخير” الذي ألفه والدها مع المحامي ميخائيل سفراد، وصف “هي لا تستطيع التسليم بفكرة الدولة اليهودية. وفهمت أن الصهيونية تخلق بالضرورة نظام عنصري وليس ديمقراطي”. بعد ذلك انضمت إلى التنظيم اليساري المناهض للصهيونية “ماتسبين” (اسمه الرسمي “المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية”)، “الذين عملوا ضجة كبيرة بدون أي علاقة بعددهم وتحولوا إلى بؤرة جذب اجتماعية رئيسية في تل ابيب والقدس”، كما وصف ذلك والدها.

“سيلفيا اعتبرت المؤسسة الإسرائيلية عدوا لها وكشر مطلق. هذه المؤسسة التي تستخف بمبادئ الاشتراكية والتي تقوم باحتلال شعب آخر وتنفذ استعمار بغيض لمناطق ليست لها، هذه المؤسسة التي خلقت نظام حكم عنصري يميز ضد المواطنين العرب فيها”.

كراهيتها للمؤسسة سرعان ما تحولت ايضا الى انتقاد شديد وجهته لوالدها، الذي اعتبر في نظرها جزء من المؤسسة بسبب عمله في المعهد البيولوجي. “سيلفيا جاءت وخرجت من جلسات “ماتسبين”، وأصدقاءها جاءوا معها إلى البيت واختلوا معها في غرفة أو في صالون بيتها. مرجع الكتب والمقالات التي قرأتها مال أكثر فأكثر إلى الإتجاه اليساري الثوري، ووجدت نفسي فجأة في مكانة غير مريحة تماما لممثل المؤسسة الإسرائيلية. فهمت فجأة أنه في نظرها ونظر أصدقاءها كنت رجل مؤسسة المباي المتوسط، والأسوأ من ذلك كنت رجل جهاز الأمن، الجهاز الذي ينشغل بالاحتلال والسلب”.

سيلفيا لم تعرف في ذلك الحين السر الذي أخفاه والدها: أنه يتجسس لصالح الاتحاد السوفييتي. “أنا أتذكر كيف أن سيلفيا التي نضجت وأصبحت أمرأة جميلة جدا وبثت قوة أيديولوجية عظيمة، نظرت لي وكيف أنني قلت بيني وبين نفسي: كيف تتجرأ؟ ماذا تعرف؟ هل أنا من مباي؟ هي لا تعرف ماذا فعلت من أجل نفس القيم التي تحدثت باسمها”، كتب والدها.

انتقام الصغير كان جملة اعتاد قولها دائما عندما كان يدخل الى البيت بعد يوم عمل في المعهد واكتشف في غرفة المعيشة أشخاص يضخمون أنفسهم، تناقشوا وكأنهم رؤساء للعمال، حسب قوله. “أنتم فقط تتحدثون. بدلا من النقاش يجب عليكم العمل”، قال لهم.

في الكتاب وصف كيف أنه ذات يوم عادت سيلفيا الى البيت هائجة. لقد اغلقت الباب خلفها وتوجهت الى أهلها قائلة: أنتم تنشغلون بتطوير سلاح بيولوجي؟ والدها الذي كان في حينه نائب مدير المعهد البيولوجي ومن جهة أخرى يعمل كجاسوس سوفييتي، كتب عن ذلك للمسؤولين عنه. وحسب قوله “لقد وشى لجهاز الأمن الإسرائيلي عن ابنته وأصدقائها، الذين تحدثوا عما يجري في خبايا المعهد. ردا على ذلك تسلم من إدارة المعهد نموذج سري كان عليه أن يجعل ابنته توقع عليه. بصورة متوقعة هي ضحكت وواصلت نشاطها المناهض للمؤسسة. في العام 1968 سافرت إلى باريس للمشاركة في مظاهرات الطلاب هناك. في تلك الفترة تعرفت على أودي أديب، رجل مظلات وسيم من كيبوتس غان شموئيل، والذي برز بنشاطه في “ماتسبين”. وبعد ذلك انسحب منها واقام منظمة أكثر تطرفا باسم “الجبهة الحمراء”. “لقد التقيت معها في جلسات ماتسبين في تل أبيب، في غرفة فوق السطح في شارع مابو. لقد لفتت انتباهي على الفور كشابة جميلة وجذابة ومليئة بالثقة”، قال هذا الأسبوع.

بعد ذلك انفصلا بسبب خلافات في الآراء، شخصية وايديولوجية. “لقد كنت إبن كيبوتس، غير مهذب، وهي كانت تل ابيبية”، قال اديب. وحسب أقواله كانت هناك خلفية سياسية للخلافات بينهما: “لقد كنت ماويا وهي تترسكية”. سيلفيا التي بدأت بدراسة الفلسفة سافرت إلى فرنسا لسنة تعليمية، وانقطعت العلاقة بينهما.

في العام 1972 اعتقل أديب من قبل الشباك بعد عضويته في تنظيم سري عربي – يهودي مرتبط بسوريا، وعمل على تخطيط عمليات والتجسس على اسرائيل. لقد أدين بالخيانة وحكم عليه 17 سنة سجن.

هذه كانت الخلفية لاستئناف العلاقة مع سيلفيا. “لشديد المفاجأة تركت الكل وجاءت الى محاكمتي كتعبير عن التماهي”. في 1975 تزوجت. حفل الزواج الذي جرى في سجن الرملة تمت تغطيته في الصحف في تلك الفترة. “الزوجان الشابان ارتبطا إلى الأبد وانفصلا على الفور لفترة طويلة”، نشر في “معاريف”.

في العام 1983 تلقت مكالمة هاتفية غيرت حياتها تماما. فقد عرفت أنه تم اعتقال والديها في ظروف غامضة. أمها تم إطلاق سراحها ولكن والدها اتهم بالخيانة وحكم عليه بالسجن المؤبد. هي لم تغضب على والدها، بل قدرت حقيقة أنه تجسس لأسباب أيديولوجية وليس مقابل المال. “لقد كان جزء من عدة علماء عارضوا أن يكون الاحتكار النووي بشكل خاص والعلمي بشكل عام في نفس الجانب، الأمريكي. الأيديولوجيا كانت أنه اذا لم يكن هناك توازن قوى فلن يكون بالإمكان أن يحل السلام في العالم”، قالت لنفسها ولوسائل الاعلام، “شعوري هو أنه بعد الحرب العالمية الثانية طور تجاه الاتحاد السوفييتي اعتراف بالجميل لأنه منحه ملجأ ليس فقط انقذ حياته ومكنه من الدراسة، بل ايضا أن يحارب النازيين”، قالت سيلفيا.

السنوات التالية كرستها سيلفيا لجهود شملت العالم من اجل التخفيف في ظروف اعتقال والدها واطلاق سراحه. في العام 1998 تم اطلق سراحه وذهب الى باريس، وهناك اعتنت به في سنواته الاخيرة. وقد توفي في 2015 بجيل 97. وبعد وفاته مرضت هي بالسرطان. وقد قال اديب عن تلك الفترة “لقد عاشت المرض وحدها رغم انها كانت محاطة باشخاص ارادوا أن يكونوا الى جانبها”.

بقلم: عوفر اديرت

هآرتس 25/10/2019

قد يعجبك ايضا