«آمان.. ربي آمان»!
د. موضي عبدالعزيز الحمود
هللت الشعوب العربية جميعها بتحرر دولها من الاستعمارَين الغربي والأوروبي في منتصف الخمسينيات وبدايات الستينيات من القرن الماضي.. وتربّعت القوى العسكرية والقومية على عروش الحكم في أغلب الدول العربية المحررة.. واحتفظ بعضها ـــــ ولله الحمد ــــ بشيوخها وأمرائها وملوكها. رزحت معظم هذه الدول التي تحررت من المستعمر تحت قوى الفساد والدكتاتوريات التي تمكّنت من مفاصلها، لم تختفِ الأطماع الغربية في المنطقة، بل زادت مع تدفق خيرات النفط، خاصة في دول الخليج العربي.. وعاد النفوذ الغربي بصور مختلفة ليحكم موازين القوى في المنطقة.. فنصّب الموالين وأطاح عروش الخارجين عن الطاعة.. كل هذا وشعوب المنطقة تعاني من ضغوط الفقر والتخلّف والقهر.. وزاد الطين بلة، تنامي الحركات الأصولية المتشددة التي عمّقت الفرقة وضاعفت الانقسامات الطائفية والمذهبية.. واغتربت بشبابنا عن حاضرهم ومستقبلهم وعلقتهم بالماضي والغيبيات حتى آثر الكثيرون منهم التطرّف والموت على الحياة والإعمار. وهللت شعوب المنطقة مرة أخرى بهبوب نسمات «الربيع العربي»، التي استبشرنا بها خيرًا، ولكنها انقلبت إلى رياح سموم، اقتلعت كل ما هو جميل.. فمهّدت الطريق للقوى المتشددة والمتطرفة من بقاع العالم و«دواعشه»؛ لتدكّ أحلى مدن العرب، وتحيلها إلى خراب، وتشرّد أهلها في بقاع الأرض، بعد أن انتشر القتل على الهوية والدمار لكل ما هو مخالف.. فترحّمْنا على أيام الاستعمار الذي لم يفعل ما فعله أبناء العرب في أوطانهم.. وما زلنا نرقب تداعي الأحداث في مشاهد مرعبة وأحداث مأساوية. وكأن ذلك كله لا يكفي.. حتى ظهرت لنا قوى جديدة، تمددت على ما يوازي ربع الرقعة العربية، فمعظم سياسيي إيران شغلهم حلم الدولة الفارسية العظيمة فحصَّنوا وجودهم في العراق ولبنان وسوريا واليمن.. و«أردوغان تركيا» انتعش حلمه بالحكم العثماني التليد، فتدخل عسكريا في ليبيا ضمن اتفاقية، أدانها الشعب الليبي نفسه والجامعة العربية.. ولكنها رغبة التوسّع الإيراني ـــــ التركي، (القديم ـــــ الجديد)، والتي أصبحت ظاهرة وحقيقة لبعض دول المشرق والمغرب العربي.. ولسان حال الشعوب العربية المغلوبة على أمرها يردّد: «هل من نهاية لذلك الليل العربي الطويل، وهل من أمل ينعش نفوس أبنائه الذين يرقبون أحوال العالم تتبدل إلى الأفضل وأحوال العرب تتراجع إلى الأسوأ؟».. ولا نقول إلا ما يقوله المستعمر الجديد: «آمان ربي آمان»، ومن الله نسأل الأمن والأمان.
د. موضي عبدالعزيز الحمود