*الأولوياتُ قبل الأيديولوجيات: حين يسبقُ “الإنسان” حوار “الأديان”*
*أ.محمد البحر المحضار …* …..
*توضيح ومستهل:*
إن ما سنسرده في هذه السطور لا يعدو كونه قراءة شخصية ورؤية ذاتية تُطرح في فضاء النقاش العام، ولا نهدف من خلالها إلى استهداف شخص بعينه أو الاستنقاص من قدر أحد، بقدر ما نهدف إلى إثراء الحوار بالمنطق والعقل.
إن هذا التعقيب هو دعوة للنقاش لا للجدال؛
وللمقاربة لا للمجافاة؛
نضعه بين أيديكم بكل رحابة صدر واحترام متبادل، بعيداً عن الغضب أو التعصب؛
فهو نقدٌ يطمح لأن يكون لبنة في بناء الوعي الجمعي، وتوضيحاً يستدعيه واجب الوقت والواقع الفعلي بما يخدم القضية الكلية ولا يضرها، من منظور يرى في التعددية ثراءً وفي الحكمة مخرجاً.
في لحظات التحولات الكبرى، وحين تشتد الأزمات وتضيقُ الزنازين على الأحرار، يصبحُ “الذكاء في الطرح” أوجبَ من “صحة الكلام” في حد ذاته.
فليس كل ما يُعلم يُقال، وليس كل ما هو حقٌّ، يُطرح في توقيتٍ قد يُحولُه الآخرون إلى سلاحٍ يطعنُ في خاصرةِ القضايا المُلحة.
إن الحديث عن “الهوية اليمانية” وتأصيل المذاهب وفلسفة الانتماء، هو ترفٌ فكري وبحثي نحترمُ أسسه، لكنه في واقعنا الراهن يشبهُ من يناقش “هندسة البناء” والبيتُ تشتعلُ في أركانه النيران.
والخوض في التمايزات المذهبية قد يفتحُ أبواباً لا يسدّها إلا الدم، ويمنحُ المتربصين ثغراتٍ لضرب النسيج الاجتماعي، وهو ما لا نرتضيه لأهلنا ولا لأنفسنا، متمثلين قول *أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): “الناسُ صنفان: إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق”.*
*◼️ فخُّ الجدل.. ونجاةُ الفرد*
إن إثارة الأسئلة الوجودية حول المذاهب في هذا التوقيت بالذات، قد يؤدي —دون قصد— إلى تأجيج النفوس بدلاً من تهدئتها.
إن الهوية الحقيقية لليمن اليوم تتلخص في كلمة واحدة: “العدالة”.
فالظلمُ لا مذهب له، والزنزانة التي يغيبُ خلفها إنسانٌ موالٍ وصادق، لا تسأل عن تفاصيل انتمائه بقدر ما تسأل عن “ضمير” من سجنَه، *والله سبحانه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾.*
*إلى سماحة السيد القائد، عبدالملك بن بدر الدين الحوثي (نفسي وروحي له الفداء):*
يا سيدي:
إننا نرفع إليكم مظلمة أبنائكم المخلصين، ونضع بين أيديكم الكريمة قضية المنشد ضيف الله زبيدة، وغيره من المظلومين، يقيناً منا أن قلبكم الكبير ومسيرتكم القرآنية لا ترضى بأن يُظلم إنسانٌ تحت رايتكم، أو أن يُسجن صوتٌ صادقٌ في ظل دولتكم.
إننا نؤكد تمسكنا بمطلبنا الحق وهو الإفراج عنه، ورفضنا القاطع لما يقوم به بعض المتنفذين باسمكم وباسم “أنصار الله”؛ *هؤلاء الذين حذر منهم أمير المؤمنين في قوله: “إنّ شرّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً، ومن شركهم في الآثام، فلا يكوننّ لك بطانة”.*
إن المسيرة هي “مسيرة قرآنية” جامعة، مصداقاً *لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾*
فهي لا مسيرة زيدية ولا مسيرة شيعية أو اثنا عشرية ولا مسيرة شافعية، بل هي مسيرة ربانية تجمع الجميع على خطى القرآن كائناً من كان.
إن وقوفنا في وجه كل متنفذ يمارس الظلم باسم المسيرة هو موقفٌ ثابت مستمد *من قول الرسول ﷺ: “اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة”*
وهو نهجكم الذي يرفض الضيم وينتصر للمظلوم.
*◼️ خطاب موجه إلى المتنفذين:*
أما أنتم ـ أيها المتنفذون الذين أرهقتم الناس بتصرفاتكم، وأثقلتم كاهل المسيرة بأخطائكم، سواء كنتم تقصدون أو لا تقصدون، سواء عملتم بحسن نية أو بسوء نية ـ فإننا نخاطبكم بوضوح لا لبس فيه:
إن استخدام السلطة والصلاحيات لتحقيق مصالح شخصية، أو لخدمة أجندات ضيقة، أو لتنفيذ رغبات فردية لا تمتّ للمشروع القرآني بصلة، هو انحراف صريح لا يمكن السكوت عنه.
المسيرة القرآنية أشرف من أن تُختزل في تصرفات أفراد، والجهاد أنقى من أن يُستتر به ظلم، وأنصار الله أبعد من أن يمثلهم من يظلم الناس أو يقمعهم أو يستقوي عليهم.
إننا نعلنها موقفًا ثابتًا لا يتزحزح: من ظلم الناس، أو استغل موقعه، أو تلطّى باسم الجهاد ليحقق مصلحة شخصية، فهو لا يمثل المسيرة، والمسيرة بريئة منه.
ومن يعين على هذا الظلم، أو يسكت عنه مع القدرة على البيان، أو يبرره تحت أي عنوان، فإنه يشارك فيه بقدر صمته أو تبريره.
وإن واجبنا الديني والشرعي والأخلاقي يفرض علينا أن نقف بوجه هذا الانحراف، بالكلمة الصادقة، بالقلم الحر، بالإعلام المسؤول، بالنصح المباشر، وبكل وسيلة مشروعة تحفظ الحق وتمنع التمادي.
لسنا دعاة فتنة، ولا طلاب صراع داخلي، ولا باحثين عن تشهير أو تشظي صف، بل نحن حريصون على وحدة الجبهة، وعلى صيانة المسيرة من أن تُخترق من داخلها.
غير أن الوحدة لا تعني السكوت عن الظلم، والصف الواحد لا يعني تغطية الأخطاء، والطاعة لا تعني تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وما يحصل من قمع أو استبداد أو فساد ـ أيًا كان مصدره ـ لا يمكن تبريره بشعار، ولا تغطيته بلافتة.
إننا ثابتون على هذا الموقف: لن نصمت عن ظلم، ولن نبرر انحرافًا، ولن نسمح بأن تُستخدم أسماؤنا أو أقلامنا لتغطية تجاوزات أفراد.
وسنبقى نوجّه البوصلة نحو المعركة الحقيقية، بعيداً عن إثارة المذهبيات أو الصراعات الداخلية التي لا تخدم إلا أولئك المتنفذين أنفسهم. فعدونا واحد، وقضيتنا واحدة، وقرآننا واحد، ورسولنا واحد، وربنا واحد، مهما اختلفت الاجتهادات وتنوعت المدارس.
*◼️ رؤية جامعة ومعركة كبرى:*
إننا نؤمن يقيناً أن مخلص هذه الأمة، الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، هو إمام المسلمين أجمعين، وهو النور الذي سيمحو ظلمات الجور ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً، في مواجهة مشاريع “الشيطان الأكبر” وأدواته التي تريد سلب الرحمة من القلوب.
والمفارقة الحقيقية اليوم ليست بين مذهبٍ ومذهب، بل بين من يُمهد ويعمل ويجاهد لنصرة الحق، وبين من يقعد خاذلاً للتمهيد العظيم.
إن ما دون ذلك من تفاصيل فقهية هي أمور ثانوية؛ فلا عيب في الاختلاف، لكن العيب كل العيب أن نحيل الاختلاف إلى صراعٍ يغلق علينا الدوائر، ويجعلنا ننسى المعركة المفصلية بين جنود الله وجنود الشيطان، وبين الصادقين المخلصين وبين الفجرة ومن تولاهم من متصهيني العرب وعملاء القوى الاستكبارية.
كلنا إخوة، ولنا في “طوفان الأقصى” أعظم برهان على توحد الأمة بمختلف مدارسها لمواجهة بني صهيون، باستثناء تلك الشراذم العميلة التي تتستر بالدين وهي منه براء، ممن باعوا مقدساتهم لأمريكا وبريطانيا وأصبحوا “يهود هذه الأمة” وعبيداً للمشروع الصهيوني، كأمثال الوهابية الخبيثة التي تعتبر دين دخيل على الإسلام والمسلمين.
*◼️ البوصلة نحو “ضيف الله زبيدة”*
إن الرب واحد، والنبي واحد، والعدو واحد؛ لذا لا داعي لزرع الخلافات في جبهةٍ تواجه أعتى قوى الظلم.
إننا نرفض أن نُقمع، كما نرفض أن يُقمع غيرنا.
ومن هذا المنطلق، نرى أن التركيز على إنصاف المظلومين، وعلى رأسهم المنشد ضيف الله زبيدة، هو المقياس الحقيقي لصدق الانتماء للمسيرة.
إن المطالبة بحرية صوتٍ يمني صادق هي المساحة المشتركة التي تعزز تلاحمنا في معركتنا الكبرى ضد عبدة الشيطان.
*✉️ رسالة إلى كل قلمٍ حر وغيور:*
يا رفاق الحرف والكلمة، إن المسؤولية اليوم تقتضي منا أن نكون “دعاة وصلٍ لا دعاة فصل”.
إن الدفاع عن المظلومين لا يمرُّ حتماً عبر تشريح المذاهب، بل عبر ترسيخ قيم المواطنة والعدل.
ومن يريد نصرة “المسيرة” أو “آل البيت” أو “المستضعفين”، فليعمل على إغلاق ملفات الاعتقال التعسفي، وليجعل من قضية المنشد زبيدة رمزاً للرفض المطلق لكل أشكال الإقصاء “العملي”، لا “النظري”.
*#أما_بعد …*
إن الحقوق تُنتزع بالحكمة قبل الصراخ، وبالتركيز على الهدف قبل الغرق في التفاصيل.
والهوية اليمانية الحقيقية تتجلى اليوم في صرخة واحدة: “الحرية لضيف الله زبيدة”، ورفض الظلم بشتى صورها.
فلنتفرغ جميعاً لانتشال المظلومين من خلف القضبان، فذلك أوجبُ عند الله وعند الناس، ولنتذكر دوماً *قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾.*
إن الرجوع إلى الحق فضيلة، وإنصاف المظلوم هو أقصر الطرق لتعزيز الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات الكبرى.
*مدير عام مكتب التخطيط – من/شبوة*
*#البحر_المحضار …*
الكاتب من اليمن