فادي السمردلي يكتب حين تبتلع الطاقة 45% من كلفة الإنتاج تحديات هيكلية أمام الصناعة الأردنية ومتطلبات الإصلاح

بقلم فادي زواد السمردلي  ……

 

*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*

أظهر تقرير صادر عن غرفة صناعة الأردن أن كلفة الطاقة تشكل نحو 45% من إجمالي كلفة الإنتاج الصناعي في الأردن، وهو مؤشر يعكس ثقلًا بنيويًا واضحًا لبند الطاقة داخل هيكل التكاليف التشغيلية فهذا الرقم لا يُقرأ كمعطى إحصائي عابر، بل كمؤشر اقتصادي عميق الدلالة يكشف درجة الانكشاف التي يواجهها القطاع الصناعي أمام تقلبات أسعار الطاقة وسياساتها التنظيمية، ومدى ارتباط استدامة الإنتاج بقدرة المنشآت على إدارة هذا العبىء بكفاءة فعندما تقترب حصة مدخل إنتاجي أساسي من نصف الكلفة الإجمالية، فإن أي تغير طفيف في سعره ينعكس بصورة مباشرة وحادة على مجمل الأداء المالي، ويؤثر في الهوامش الربحية، وحجم الاستثمارات، ومسار النمو داخل القطاع.

إن هيمنة الطاقة على هذا المستوى تعني أن الصناعة تعمل ضمن بيئة تكاليف عالية الحساسية، حيث تصبح القدرة على التنبؤ بالمصروفات التشغيلية محدودة في ظل ارتباط أسعار الكهرباء والمشتقات النفطية بعوامل خارجية متعددة ونتيجة لذلك، ترتفع نقطة التعادل المالي للمنشآت الصناعية، مما يفرض ضغطًا إضافيًا على الإدارة المالية ويحد من المرونة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالتوسع أو تحديث خطوط الإنتاج كما أن ارتفاع الكلفة الطاقية يقلص مساحة المناورة السعرية في الأسواق المحلية والخارجية، إذ تجد المصانع نفسها أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على تنافسية الأسعار من جهة، وضمان تحقيق هامش ربح يغطي الالتزامات الثابتة من جهة أخرى.

وعلى مستوى الاستثمار، فإن زيادة وزن الطاقة ضمن هيكل التكاليف تؤثر في حسابات الجدوى الاقتصادية للمشاريع الجديدة، خصوصًا في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة فالمستثمر عند تقييم الفرص يأخذ في الاعتبار تكلفة التشغيل طويلة الأمد، وأي عدم استقرار أو ارتفاع مستمر في مدخلات الطاقة يرفع درجة المخاطرة ويطيل فترة استرداد رأس المال وهذا قد يدفع بعض رؤوس الأموال إلى إعادة توجيه استثماراتها نحو قطاعات أقل تعرضًا لهذا النوع من الكلف، مما ينعكس على هيكل النشاط الاقتصادي ويؤثر في تنوع القاعدة الإنتاجية.

كما يمتد التأثير إلى سوق العمل، حيث إن الضغط المتزايد على التكاليف قد يدفع بعض المنشآت إلى ترشيد الإنفاق من خلال إعادة هيكلة العمليات أو تقليص العمالة أو تجميد التوظيف ورغم أن هذه الإجراءات قد تكون مبررة من منظور مالي قصير الأجل، إلا أنها تحمل تداعيات اجتماعية واقتصادية أوسع، لأنها تؤثر في مستويات الدخل والطلب الكلي، وتنعكس على سلاسل القيمة المرتبطة بالقطاع الصناعي، من النقل والخدمات اللوجستية إلى الخدمات المساندة.

من زاوية التنافسية الخارجية، تمثل كلفة الطاقة عاملًا حاسمًا في تحديد القدرة على اختراق الأسواق التصديرية فالصناعات التي تعتمد على استهلاك مكثف للطاقة تواجه منافسة مباشرة مع دول قد تتمتع بمصادر طاقة أرخص أو بسياسات دعم أكثر مرونة فإذا كانت الفجوة في الكلفة كبيرة، فإنها تتحول إلى ميزة سعرية للمنافسين، مما يضغط على الحصة السوقية للصادرات الوطنية ويؤثر في مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي وتحقيق التوازن في الميزان التجاري.

إضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع نسبة الطاقة ضمن الكلفة الإجمالية يعزز الحاجة إلى إعادة النظر في سياسات كفاءة الطاقة وتنويع مصادرها فتبني حلول الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة المعدات الصناعية، واعتماد تقنيات أكثر استهلاكًا رشيدًا للطاقة، يمكن أن يخفف العبىء المالي على المدى المتوسط والطويل كما أن تطوير إطار تنظيمي وتشريعي داعم للاستثمار في حلول الطاقة البديلة قد يسهم في تقليل تقلبات الكلفة، ويمنح القطاع الصناعي درجة أعلى من الاستقرار والتوقع.

في المحصلة، فإن بلوغ حصة الطاقة 45% من كلفة الإنتاج يعكس تحديًا هيكليًا يتطلب معالجة استراتيجية لا تقتصر على إجراءات تشغيلية داخل المنشآت، بل تمتد إلى سياسات الاقتصاد الكلي، وتخطيط الطاقة، واستراتيجيات التنمية الصناعية فخفض هذا العبىء أو إدارة تأثيره بكفاءة أعلى لا ينعكس فقط على تحسين ربحية المصانع، بل يشكل عنصرًا أساسيًا في تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، ودعم استدامة النمو، وخلق بيئة استثمارية أكثر استقرارًا وقدرة على جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا