على حافة الانفجار الكبير : إما وحدة عربية تنقذ ما تبقى … أو نار تأكل الجميع
محي الدين غنيم …..
لم يعد المشهد العربي مجرد أزمات متفرقة يمكن التعامل معها كملفات منفصلة، بل أصبح لوحة مشتعلة تتداخل فيها الحروب والصراعات والاصطفافات الإقليمية بصورة تنذر بانفجار واسع قد يتجاوز حدود الإقليم إلى ما هو أخطر.
من الخلافات بين العراق والكويت حول خور عبد الله، إلى حرب الإبادة الدائرة في السودان وصراع السلطة الدموي هناك، مرورًا بالفوضى السياسية والأمنية في ليبيا، والوضع الهش في سوريا، والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على جنوب لبنان، والحرب المستمرة على اليمن، وما يجري في الصومال… تتراكم الأزمات حتى باتت المنطقة وكأنها تقف على فوهة بركان.
وفي ظل هذه البيئة المشتعلة، تتصاعد التهديدات الإسرائيلية الأمريكية بشن حرب على إيران، وسط خطاب تصعيدي من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث فيه عن إعادة تشكيل محاور إقليمية وتوسيع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. خطاب لا يمكن فصله عن مشروع سياسي يسعى إلى إعادة رسم خرائط النفوذ على حساب حالة الانقسام العربي العميق.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح : ألم يحن الوقت لأن تدرك الدول العربية أن استمرار الخلافات البينية لم يعد ترفًا سياسيًا، بل خطرًا وجوديًا؟
لقد أثبتت التجربة أن الفراغ العربي يولّد تدخلات خارجية، وأن الانقسام يفتح الأبواب أمام مشاريع إقليمية ودولية تتقاطع مصالحها فوق الجغرافيا العربية. وكلما تعمّق الصدع بين العواصم العربية، اتسعت مساحة التأثير الخارجي، وتراجعت القدرة على صناعة قرار مستقل يحفظ الأمن القومي العربي بمفهومه الشامل.
ومن السهل إلقاء اللوم الكامل على طرف واحد، لكن الواقع أكثر تعقيدًا. صحيح أن إسرائيل تتحرك وفق رؤية استراتيجية تخدم مصالحها، وصحيح أن الولايات المتحدة تنظر إلى المنطقة من زاوية أمن حلفائها ومصالحها الجيوسياسية، إلا أن الانقسامات العربية الداخلية، وصراعات السلطة، وغياب مشروع عربي جامع، كلها عوامل أساسية ساهمت في تعميق هذا الواقع المتشظي.
المأساة ليست فقط في وجود تهديد خارجي، بل في غياب جبهة داخلية متماسكة قادرة على احتواء الخلافات بالحوار، وبناء منظومة أمن إقليمي عربي تُغلق الثغرات قبل أن تتحول إلى ساحات صراع بالوكالة.
إن أي مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران لن تبقى محصورة في حدود دولتين. جغرافيا الاشتباك تمتد عبر لبنان وسوريا والعراق واليمن والخليج، ما يعني أن شرارة واحدة قد تشعل سلسلة تفاعلات يصعب احتواؤها. وفي عالم يعاني أصلًا من استقطاب دولي حاد، فإن توسع رقعة المواجهة قد يفتح الباب أمام صدامات أوسع تتجاوز الإقليم.
الطريق الوحيد في هذه المرحلة هو مشروع عربي جامع
وليست الدعوة إلى الوحدة شعارًا عاطفيًا، بل ضرورة استراتيجية. المطلوب ليس اندماجًا فوريًا ولا اصطفافًا أيديولوجيًا، بل وقف الحملات الإعلامية المتبادلة بين الدول العربية.
وتحييد الخلافات الحدودية عبر آليات قانونية وتحكيم دولي.
وإطلاق مبادرة أمن قومي عربي مشتركة.
وتحصين الجبهات الداخلية بالإصلاح السياسي والاقتصادي.
ومنع تحويل الدول العربية إلى ساحات صراع بالوكالة.
إن التاريخ لا ينتظر المترددين فإما أن تتحول اللحظة الراهنة إلى نقطة انعطاف نحو إعادة بناء نظام عربي أكثر تماسكًا، أو تستمر حالة التشظي حتى يجد الجميع أنفسهم في قلب عاصفة إقليمية لا تُبقي ولا تذر.
الوطن العربي اليوم أمام مفترق طرق حقيقي فإما وحدة تعيد التوازن… أو صراعات متلاحقة قد تفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها.
الكاتب من الأردن