سوء القراءه العسكرية والسياسيه العالم على حافة الخطأ…

بقلم العقيد المتقاعد ليث المجالي  ….

 

لم يعد الخطر الحقيقي الذي يواجه العالم اليوم هو اندلاع حرب نووية بقرارٍ متعمد،
بل في احتمالية الانزلاق إليها نتيجة سوء قراءة سياسية وعسكرية في بيئة دولية شديدة التعقيد والاضطراب.

فالتاريخ لم يكن يوماً رهينة النوايا فقط،
بل كان – في كثير من محطاته المفصلية – نتيجة أخطاء في التقدير،
وسوء فهم للإشارات،
وتضخم في ردود الفعل.

اليوم، ومع تصاعد التوترات بين القوى الكبرى،
لم تعد لغة التهدئة هي السائدة،
بل حلّت مكانها لغة الاستعراض، وإعادة التموضع، واختبار الخطوط الحمراء.
وهنا يكمن جوهر القلق.

القوى الدولية تدرك تماماً أن الحرب النووية ليست خياراً قابلاً للاستخدام،
بل هي نهاية شاملة لكل الأطراف،
ومع ذلك، تستمر في الاقتراب من حواف الخطر عبر سياسات الضغط،
والمناورات العسكرية، والتصريحات التصعيدية.

هذا التناقض بين الإدراك والسلوك
هو ما يصنع بيئة مثالية للخطأ.

فالخطر لم يعد في قرار إطلاق النار،
بل في تفسير حركة… أو قراءة نية… أو تقدير موقف في لحظة توتر عالية.
قد تتحول مناورة عسكرية إلى رسالة خاطئة،
وقد يُفهم الردع على أنه تهديد مباشر،
وقد يُبنى قرار مصيري على معلومة ناقصة أو تقدير غير دقيق.

وهكذا تبدأ الكوارث الكبرى:
ليس بخطة مُحكمة، بل بسلسلة أخطاء صغيرة تتراكم حتى تنفجر.

العالم اليوم يعيش حالة من “السيولة الاستراتيجية”،
حيث تتراجع القواعد التقليدية لإدارة الصراع،
وتتآكل قنوات الاتصال الفعّالة،
ويتصاعد دور الفاعلين غير التقليديين،
مما يزيد من احتمالات سوء التقدير.

كما أن الحروب بالوكالة،
والاحتكاكات غير المباشرة،
والمناطق الرمادية في الصراع،
كلها تشكل بيئة خصبة لانزلاق غير محسوب.

إن أخطر ما في المشهد الحالي
هو أن القرار لم يعد دائماً نتاج حسابات باردة،
بل أصبح في كثير من الأحيان رهينة ضغوط داخلية،
وصراعات سياسية،
ورغبة في فرض الهيبة أو استعادة الردع.

وهنا، يصبح الخطأ أكثر احتمالاً…
وأكثر تكلفة.

لسنا أمام عالم يسعى للحرب،
لكننا أمام عالم يقترب منها دون أن يدرك…
عالم تتقاطع فيه المصالح، وتتضارب فيه الحسابات،
وتضيع فيه الحدود بين الرسالة والتصعيد.

الرهان اليوم ليس فقط على قوة الردع،
بل على دقة القراءة…
وعمق الفهم…
وقدرة صانع القرار على التمييز بين الاستعراض والخطر الحقيقي.

ففي زمن الفوضى،
لا تكون الكارثة نتيجة قرار بالحرب،
بل نتيجة خطأ في فهمها.

— ليث المجالي

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا