فادي السمردلي يكتب: ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا لا يبرر زيادة الأعباء على المواطن الأردني

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

تشهد الأسواق العالمية في الفترة الحالية ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار النفط والغاز نتيجة التوترات والحروب في المنطقة، وهو أمر بات يتكرر مع كل أزمة جيوسياسية تمس مناطق إنتاج الطاقة أو طرق إمدادها فهذه الارتفاعات غالبًا ما تنعكس سريعًا على الدول المستوردة للطاقة، ومن بينها الأردن، الذي يعتمد بشكل كبير على استيراد النفط ومشتقاته لتلبية احتياجاته من الطاقة.

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بجدية هو هل من المنطقي أن يتحمل المواطن الأردني تبعات كل ارتفاع عالمي في الأسعار، رغم أن أسعار الطاقة محليًا تعد مرتفعة أساسًا مقارنة بدخل الفرد ومستوى المعيشة؟

الواقع الاقتصادي في الأردن يختلف عن كثير من الدول فالمواطن الأردني يعيش منذ سنوات طويلة تحت ضغط متواصل من ارتفاع تكاليف المعيشة، سواء في الغذاء أو السكن أو النقل أو الخدمات الأساسية وقد أصبحت فاتورة الطاقة، خصوصًا الوقود والغاز والكهرباء، واحدة من أكبر الأعباء الشهرية على الأسر، حتى في الفترات التي كانت فيها أسعار النفط عالميًا منخفضة نسبيًا.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية فسياسة تسعير الطاقة في الأردن غالبًا ما تتأثر بسرعة بالارتفاعات العالمية، لكنها لا تنخفض بالسرعة نفسها عندما تتراجع الأسعار في الأسواق الدولية وهذا الشعور بعدم التوازن خلق حالة من القلق لدى المواطنين، وأضعف الثقة بقدرة السياسات الاقتصادية على حماية القدرة الشرائية للأسر، خاصة في ظل تراجع مستويات الدخل وارتفاع معدلات البطالة والتضخم.

من الناحية الاقتصادية، صحيح أن الحكومة تتحمل أعباء مالية كبيرة نتيجة دعم بعض القطاعات والخدمات، وأن ارتفاع أسعار النفط عالميًا يزيد من كلفة الاستيراد على خزينة الدولة ولكن في المقابل، يجب النظر إلى القدرة الحقيقية للمواطن على تحمل أي زيادات جديدة فالمعادلة الاقتصادية السليمة لا تقوم فقط على حسابات الكلفة والإيرادات، بل على تحقيق توازن بين استقرار المالية العامة والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.

إن رفع أسعار الوقود أو الغاز في هذه المرحلة الحساسة قد يؤدي إلى سلسلة من التأثيرات السلبية تتجاوز مجرد زيادة في فاتورة الطاقة فارتفاع أسعار الوقود ينعكس مباشرة على تكاليف النقل، ثم على أسعار السلع والخدمات، مما يخلق موجة تضخم جديدة يشعر بها المواطن في كل تفاصيل حياته اليومية ومع تكرار هذه الدورات، تتآكل القدرة الشرائية تدريجيًا، ويصبح المواطن أكثر هشاشة أمام أي صدمة اقتصادية جديدة.

لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس تجاهل الواقع العالمي، بل التعامل معه بحكمة ومرونة ويمكن للحكومة أن تتبنى إجراءات مؤقتة لتخفيف أثر الارتفاعات العالمية، مثل تثبيت أسعار المحروقات لفترة محددة، أو تخفيض بعض الرسوم والضرائب على المشتقات النفطية، أو استخدام أدوات مالية لتوزيع أثر الصدمة على مدى زمني أطول بدل تحميلها دفعة واحدة للمواطن.

كما أن الظروف الاستثنائية تتطلب قرارات استثنائية فالمواطن الأردني أثبت خلال السنوات الماضية قدرته على التكيف مع التحديات الاقتصادية، لكنه في الوقت نفسه وصل إلى حدود قدرته على التحمل. والاستمرار في رفع الأسعار دون مراعاة هذا الواقع قد يؤدي إلى نتائج اجتماعية واقتصادية غير مرغوبة.

في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن استقرار المجتمع يبدأ من استقرار معيشة المواطن وإذا كانت أسعار الطاقة ترتفع عالميًا اليوم، فإن مسؤولية السياسات الوطنية هي حماية المواطن قدر الإمكان من آثار هذه التقلبات، لا نقلها إليه بالكامل. فالمواطن ليس مجرد رقم في معادلة اقتصادية، بل هو أساس الاقتصاد نفسه، وأي سياسة لا تراعي هذا الأساس ستفقد توازنها عاجلًا أم آجلًا.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا