*رمضان ميلادُ الروح ورحلةُ العودة إلى الله*

*عفاف فيصل صالح*  ……

 

رمضان ليس شهرًا يُقاس بعدد الأيام، بل يُقاس بعمق الأثر الذي يتركه في الروح. هو ليس زمنًا عابرًا بين شعبان وشوال، بل محطةٌ ربانية تتوقف عندها القلوب المتعبة لتستريح، وتتطهّر، وتعيد ترتيب علاقتها بخالقها. إنّه نداء السماء للأرض، وموسم العتق من الغفلة، وفرصة العمر لمن أراد أن يولد من جديد.
يقول الله تعالى في محكم تنزيله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
فليست الغاية جوع الجسد، بل يقظة القلب؛ ليست الغاية عطش الحلق، بل ريّ الروح بالتقوى. التقوى هي أن يصبح بينك وبين معصية الله حاجزٌ من وعيٍ وخشية، وأن يتحول صيامك من عادةٍ موسمية إلى حالةٍ دائمة من المراقبة والشعور بقرب الله.
رمضان فرصتك للرجوع إلى ربك، فلا تُضيّع هذه الفرصة كما ضيّعت غيرها في زحام الأيام. تأمّل كيف يفتح الله لك أبواب الرجاء وهو القائل:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾
أيّ رحمةٍ هذه التي تناديك رغم تقصيرك؟ وأيّ حبٍّ هذا الذي ينتظر عودتك مهما طال ابتعادك؟ رمضان هو ترجمة عملية لهذه الآية هو شهر المصالحة بين العبد وربه، وشهر التوبة، شهر البداية التي لا يشبهها شيء.
جدد نيتك كما يجدد المطر وجه الأرض بعد جدب. انزع من قلبك أثقال السنين، واغسل روحك بدموع السَّحَر، وقف بين يدي الله خاليًا من الادعاء، عاريًا من الكبرياء، صادقًا في انكسارك. فإنّ الله يقول:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾
فما أجمل أن تدخل رمضان وقد كسرت فيك شهوةً كانت تقودك، وأسقطت عادةً كانت تُثقلك، وأغلقت بابًا كان يبعدك عن الله.
رمضان ليس امتناعًا عن المباحات فحسب، بل تدريبٌ على ترك المحرّمات. إذا استطعت أن تترك الماء البارد في شدة الحر امتثالًا لأمر الله، أفلا تستطيع أن تترك معصيةً لأجله؟ إنه شهر الانتصار الهادئ على النفس، شهر إعادة تشكيل الروح لتصبح أقرب إلى الصفاء وأبعد عن الدنس.
وفي لياليه سرٌّ عظيم؛ ففيه نزل القرآن، كما قال تعالى:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾
كيف لا يكون شهرًا استثنائيًا وهو شهر كلام الله؟ كيف لا يتغيّر قلبٌ يُصغي للقرآن في هدوء الليل، ويتدبر آياته وكأنها تخاطبه وحده؟ إن القرآن في رمضان ليس تلاوة حروف، بل تلاوة حياة؛ ليس عدد صفحات، بل عدد تحوّلات في الداخل.
وحين تقف في جوف الليل، والناس نيام، وترفع يديك داعيًا، تتجلّى فيك حقيقة قوله تعالى:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾
قريب… ليست كلمة تُقال، بل إحساس يُعاش. تشعر أن بينك وبين السماء طريقًا مفتوحًا، وأن الدعاء يصعد بلا عوائق، وأن الرحمة تهبط بلا حدود. في تلك اللحظات، تدرك أن السعادة ليست في كثرة ما نملك، بل في عمق ما نشعر به من قرب الله.
ابدأ في رمضان حياةً جديدة؛ حياةً عنوانها:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
فرارٌ من ضجيج الدنيا إلى سكينة العبادة، من قلق المادة إلى طمأنينة الروح، من التشتت إلى اليقين. اجعل صيامك صيام جوارح، وصلاتك صلاة قلب، وذكرك حضورًا لا عادة. دع كل يومٍ من أيامه يكون درجةً تصعد بها إلى الله، وكل ليلةٍ محطةً تتزود فيها للنور.
وإذا هبّت عليك نسمات رمضان، فستشعر وكأنك في رحلةٍ ملائكية، تحفّك الطمأنينة من كل جانب، ويغمر قلبك نورٌ خفيّ، كأن الله يسكب فيه سكينةً خاصة لا يعرفها إلا من ذاقها. ستجد نفسك أخفّ همًّا، أصدق دمعًا، ألين قلبًا. وستفهم معنى قوله تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
فلا تجعل رمضان يمرّ كما مرّت أعوام قبله دون أثر. اجعله نقطة تحوّل حقيقية، وعهدًا جديدًا بينك وبين الله. إذا أقبل، فاستقبله بقلبٍ مشتاق، وإذا ودّعك، فليترك فيك نورًا لا ينطفئ. كن فيه عبدًا جديدًا، بقلبٍ أنقى، ونيةٍ أصدق، وروحٍ أقرب إلى السماء.
لعلّك إذا خرجت منه، خرجت وقد تحققت فيك الغاية التي أرادها الله: تقوى تملأ القلب، وتوبة تمحو الذنب، وقربٌ يبدّد الوحشة. وحينها فقط، ستدرك أن رمضان لم يكن شهرًا في حياتك… بل كان حياةً كاملة في شهر.

#كاتبات_وإعلاميات_المسيرة

الكاتبة من اليمن

قد يعجبك ايضا